فلسطينمقالات

أم ضياء.. عُذرا فلقد فاض بنا الألم بقلم عبد الناصر فروانة

أم ضياء.. عُذرا فلقد فاض بنا الألم

صحوت من نومي مع نور الصباح وشعاع الأمل، فأمسكت بجوالي، فإذا بأخي وزميلي العزيز “أبو يحيى” مشكوراً يُذكرنا ببضع كلمات مُعبرة بالحاجة الصابرة “أم ضياء”. هذه الأم المناضلة التي هرمت وهي ما زالت تنتظر اللحظة التاريخية التي تحتضن فيها نجلها “ضياء” وهو عائد إليها محررا من سجون الاحتلال الإسرائيلي. وبقولون متى هو. قل عسى أن يكون قريبا.
ونعود إلى بداية الحكاية، وفصول الرواية، ففي العاشر من تشرين أول/أكتوبر عام 1992، اعتقلت قوات الاحتلال نجلها “ضياء”، وأصدرت بحقه إحدى المحاكم العسكرية الإسرائيلية حكماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، وما يزال أسيراً مقيداً بالسلاسل بين جدران سجن “نفحة” الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة. ويُطلق عليه الفلسطينيون “عميد أسرى قطاع غزة”، باعتباره أقدم القابعين في سجون الاحتلال من القطاع، وأكثرهم قضاء للسنوات خلف القضبان، حيث مضى على اعتقاله قرابة تسعة وعشرين سنة، ومازالت الأم صابرة و تنتظر.


أم ضياء الأغا، امرأة عجوز، قد بلغت من العمر سبعين عاما، وتقيم مع عائلتها في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وتتطلع الى ذاك اليوم الذي ترى فيه ابنها حرا وتحتضنه بين ذراعيها بعيدا عن الاحتلال وعيون السجان، قبل أن يأتي الأجل المكتوب ويخطفها الموت المحتوم.
قد يُخيل للبعض أن معاناة الاعتقال تقتصر على الأبناء أو الآباء في السجون، فيما الوقائع تُفيد بأن آثار الاعتقال تمتد وتطال عائلات الأسرى والمعتقلين، وأن الأمهات والآباء والزوجات والأبناء يعانون آثار الاعتقال وعواقبه، وأحيانا الأصدقاء والجيران أيضا يدفعون ثمنا لذلك. فالاحتلال يستهدف الأسير ومحيطه الاجتماعي، والاعتقالات الإسرائيلية وسيلة للقهر والعقاب الجماعي.
أم ضياء. أعرفها وأعرف نجلها الأسير “ضياء” منذ زمن طويل، واعتز بعلاقتي بهما وتواصلي معهما، فهي أمنا جميعا، ولقد التقيتها كثيراً وهاتفتها مرارا وتكرارا، وفي كل لقاء أو اتصال أتلمس حزنها في خفايا صوتها وأشعر بثقل آلامها وهمومها، وفي مرات قليلة سمعتها تشتكي الألم والوجع والمعاناة. ألم السجن ووجع المرض ومعاناة الحرمان. فيزداد وجعي وجعا.
وبرغم ما تخفيه من ألم عميق بداخلها فهي مواظبة على المشاركة في الاعتصام الأسبوعي، ودائمة الحضور في كافة الفعاليات واللقاءات المساندة للأسرى، رغم همومها ووجعها وبُعد سكناها وكبر سنها وتجاوزها السبعين عاما من العمر، وهي متابعة جيدة لأخبار الأسرى وظروف احتجازهم، وعلى تواصل دائم مع أهالي الأسرى وهيئة شؤون الأسرى والمحررين وممثلي اللجان المختلفة والمؤسسات المعنية، فأينما ذهبنا وجدناها حاضرة، وان تواجدت هي، حضرت معها معاناة الأسرى ورسالتهم.


وتشرفت بصحبتها قبل بضع سنوات بتخطي الحدود وقطع مسافات طويلة، وزرنا عواصم عربية وأوروبية عديدة، ودخلنا سوياً الأمم المتحدة في جنيف ومجلس حقوق الإنسان ومؤسسات دولية وإقليمية كثيرة، فكانت خير من مثّل الأسرى وناب عن أمهاتهم. لذا فلقد أضحت “أم ضياء” عنواناً لقضية الأسرى، وأما لكل المغيبين وراء الشمس بفعل السجان، فاستحقت لأن نطلق عليها “أم الأسرى”
أم ضياء: لقد أوقفت سلطات الاحتلال “زيارات الأهالي” منذ انتشار فيروس “كورونا” في المنطقة، في آذار/مارس من العام الماضي، فتفاقمت معاناتها، فيما ازداد قلقها بعدما طرق “الفايروس” أبواب السجون واخترق جدرانها ودخل أقسامها وانتشر بين صفوف الأسرى، فباتت أكثر قلقا على صحة وحياة ابنها “ضياء”. وحين بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة في العاشر من آيار/مايو الماضي، واشتد القصف والدمار والقتل، انتقل القلق إلى نجلها المُقيد بالسلاسل، فباتت وبتنا جميعا بأمس الحاجة إلى إنهاء توقف “زيارات الأهالي” واستئناف برنامجها، أو على الأقل توفير آليات بديلة للتواصل الإنساني بين الأسرى وذويهم، كي يطمئن كل طرف على الآخر، بعد توقف استمر خمسة عشر شهرا وما يزال مستمرا.


أم ضياء: لقد فاض بها الألم، ولم تعد الكلمات تُعنيها، فهي لا تشفي غليلها ولا تطفئ نار شوقها. كما ولم تكترث لبيانات المؤسسات الدولية ومطالبات الجهات الحقوقية، فهي تريد أن تُكحل عينيها برؤية ابنها، وأن تسمع صوته للاطمئنان عليه في ظل تردي الأوضاع الصحية داخل السجون، واستمرار الاستهتار الإسرائيلي، وهو يريد أن يطمئن عليها وعلى أفراد أسرته بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، كما حال باقي أسرى القطاع وعوائلهم.


“أم ضياء”: بفعل الزمن والسجن، أعمار مضت خلف القضبان وأسرى هرموا بين الجدران، ورحلت أمهات وآلاف أخريات يتابعن قلقا حال أبنائهن جراء ظروف السجن وقسوة السجان، وينتظرن شوقا عودة أبنائهن بعد أن طال غيابهم، ويخشون الرحيل قبل عودتهم.
أم ضياء.. أنحني أمام صبرك وقوة تحملك، وأنتِ من صبرتِ كثيراً. أما أنتَ أخي “ضياء”.. فنحن وشعبك نفخر بك وبأمثالك، ونخجل من استمرار وجودك في السجن وعدم مقدرتنا على كسر قيدك وقيد إخوانك القدامى، وكلنا ثقة بأن فرج الله قريب.
أم ضياء: نقدر شعورك وشدة معاناتك، ونقف معك وبجانبك، ونسأل الله العلي القدير أن يحفظك وأن يحفظ لنا أمهاتنا جميعاً ويرزقنا رضاهن عنا، وأن يطول بعمر أمهات الأسرى الأحياء أجمعين، وأن يحقق لهن حلمهن باحتضان أبنائهن أحرارا. ويقولون متى هو. قل عسى ان يكون قريبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى