الجزيرة والقاعدة وربيع الإرهاب.. بقلم ممود علي

الجزيرة والإرهاب
0

الجزيرة والقاعدة وربيع الإرهاب.. بقلم ممود علي

الكاتب ممود علي

.
ممود علي كاتب من موريتانيا

بحث استقصائي يحاول رصد التأثيرات المتبادلة بين الطفرات الإعلامية في العالم العربي وانتشار العنف والفوضى في هذه المنطقة من العالم وكيف ساهمت قناة الجزيرة في تعويم مفهوم الإرهاب وإضفاء صفة الشرعية عليه بل وجلب التأييد له على نطاق واسع.

بداية

 يمكن القول بأنه ليس بمقدور العالم الغربي ومؤسساته البحثية فهم التأثيرات المتعددة للمسألة الإعلامية وقدرتها على تشكيل العقل العربي، لقد أصبح من الواضح أن هناك قصورا أو تقصيرا لدى المؤسسات الغربية في تقدير مدى  سطوة الكلام وتحكمه في عواطف هذه الشعوب وهيمنته على أنماط وعيها المختلفة، ولعل الوصف الذي أنتجته الثقافة ” العربية لهذا المفهوم هو الأكثر مطابقة للواقع حيث يُطلق عليه: ” سحر البيان” أو “سحر الكلام

وبهذا الصدد يُمكن مقارنة النقص الملحوظ لهذا الجانب في الدراسات والبحوث الغربية حاليا، بما كان سائدا في الدراسات الاستشراقية في الحقب الماضية، فحين أنتجت آلاف البحوث عن العوامل السياسية والاقتصادية التي ساعدت على انتشار ظاهرة الإرهاب، تم أخذ دور الإعلام بالكثير من الخفة والسطحية. وهنا سنبين كيف أن الإعلام لعب دورا أكبر مما يعتقده الجميع في انتشار الإرهاب، بل إن وسيلة إعلامية محددة كانت شريكة حقيقية في الإرهاب وصناعته.

اللعبة الأولي مع القاعدة

بدأت قناة الجزيرة القطرية بثها في الأول من نوفمبر 1996 و لما تكن “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين” قد تشكلت بعد، ويعيش المكونين الرئيسيين لها أوقانا صعبة، فأسامة بن لادن يعيش منفيا في السودان مع زمرة من المقاتلين السابقين في أفغانستان، سُحبت منه جنسية المملكة العربية السعودية وتبرأت منه عائلته، أما جماعة الجهاد الإسلامي المصرية فتكاد تختفي، حيث دقت المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي أخر مسمار في التعاطف الشعبي معها وتمكنت الحكومة من الزج بكل كوادرها في السجن.

بدأت القناة اذن بثها حيث شكلت انطلاقتها نقلة نوعية في الإعلام العربي حيث قدمت للكثيرين ما كانوا يحتاجونه وهو هيئة الإذاعة البريطانية مشاهدة.

ركزت الجزيرة مع بدايتها على قضية أساسية كان أسامة بن لادن قد تبناها وبني عليها خطابا تحريضيا، وشكلت أهم أدبيات خطاباته في تلك الفترة، وهي وجود القواعد الأمريكية الموجودة في دول الخليج أو ما أسماه الوجود الصليبي في جزيرة العرب.

شنت القناة حملة إعلامية مركزة علي وجود القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي وكانت قصة القواعد وخطرها وجبة يومية علي شاشة القناة، تقارير وبرامج حوارية مكثفة عن الاستعمار الأمريكي الجديد وخيانة دول خليجية محددة مثل الكويت والسعودية، وقد شارك في تلك الحملة وبالكثير من الحماس قوميون وإسلاميون علي حد السواء فالموضوع مغري وتسهل فيه المزايدة، مع ملاحظة حضور لافت ل “جماعة لندن” وهم منظرو الفكر الجهادي في أوروبا، أبو حمزة المصري وأبو قتادة و هاني السباعي وياسر السري والذين كانوا ضيوفا دائمين علي القناة.

بعد سنة من انطلاق القناة أعلن أسامة بن لادن وأيمن الظواهري جبهتهم من باكستان ولا يزال الغموض يكتنف كيفية تغيير اسم تنظيمهم إلى تنظيم القاعدة، فيما نري أن ذلك أكبر دليل علي حالة التأثير المتبادل بين الجماعات الإرهابية والإعلام، فمن شبه المؤكد أن وسائل الإعلام هي من سمتهم بالقاعدة قبل أن يتبنوا هم الاسم ويتباهوا به.

قدمت الجزيرة أسامة بن لادن نموذجا فريدا لثري سعودي ترك رفاه بلاده وجلس في الجبال لإعلاء كلمة الله وتم التنويه به في كل مرة –مع الكثير من المبالغة- بالمليونير السعودي الذي كان بإمكانه أن يمتلك طائرة خاصة وعدة قصور في أرجاء العالم لكنه اختار أن يعيش فقيرا لنصرة الإسلام والمسلمين, واعتمدت القناة صورة أسامه بن لادن وهو يضع الكلاشنكوف علي فخذه كبرومو رئيسي للقناة الأكثر مشاهدة في العالم العربي، ولا أحد بإمكانه أن يعبر عن

مدي تأثير تلك البروبغندا في نهاية التسعينات علي الشباب العربي حيث عاشت القاعدة ربيعها، فقد أعطتها الجزيرة ما تحتاجه بالضبط وتم اكتتاب ألاف الشباب المبهورين بأسطورة بن لادن لا بفكره إن كان له فكر أصلا، ومع كل عملية للقاعدة كانت الجزيرة تحولها إلي نصر عظيم، وتقدم القناة جيشا من المحللين يتبارون في التبرير ومهما يكن الضحية سواء كان أوروبيا أو إفريقيا أو عربيا فلابد انه ارتكب بحق الإسلام والمسلمين ما يستحق أن يعاقبه عليه فرسان المرحلة الذين ليسوا إلا مجاهدي تنظيم القاعدة، قدم الجميع أدوارهم الإعلامية المطلوبة أبو حمزة المصري صاحب اليدين الحديديتين مثالا للإرادة وكسر كل ما يعيق المجاهدين، عبد الباري عطوان قدم دور الصحفي العلماني المنبهر حد النشوة بالشيخ السعودي الثائر، لتخرج الملحمة الأسطورية للقاعدة في أبهي صورها. أما أحداث الحدي عشر من سبتمبر فكانت تحصيل حاصل، فبعد كل تلك الانتصارات “الإسلامية “بقتل عشرات المدنيين -لم تتطرق الجزيرة في أي من برامجها لأخلاقية قتل المدنيين- كان لابد من الجائزة الكبرى وهي قتل ألاف المدنيين دفعة واحدة ولتبرير ذلك يكفي أن تقول إنهم أمريكيون.

احداث الحادي عشر من سبتمبر

مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذروة “الإلهام ” المتبادل بين تنظيم القاعدة وقناة الجزيرة، فقد كان الدافع الرئيسي لتدمير البرجين هو الضجة الاعلامية نفسها، وقد قال مفتي القاعدة السابق انه جلس مع بن لادن مطولا وأخبره انه لا يجد مبررا شرعي لهذا العمل إلا أن الأخير أخبره أن الأمر قد تقرر، وما لم يدركه مفتي القاعدة أن ما كان يهم بن لادن هو الانفجار الإعلامي للحدث وليس الحدث بذاته.

لم يخب ظن بن لادن فقد شكل الأمر زلزالا إعلاميا لم يحدث له مثيل منذ انتهاء الحرب الإعلامية الثانية، وكانت الجزيرة وقد تحولت حينها وبدون مبالغة إلي الراعي الرسمي لتنظيم القاعدة  في الموعد.

فبدل أن تلاحظ القناة إلى أي مدي وصل توحش هذا التنظيم أعلنت ومنذ اللحظات الأولي أن الفتح الإسلامي وصل الولايات المتحدة، وظهر الصحفيون وعلى وجوههم كل مشاعر الفخر والفرح والاعتزاز فوجوه صحفيي الجزيرة تقول دائما أكثر من نشراتهم.

بدأت العناوين الرنانة من قبيل أمريكا تحت النار وأمريكا تحت الهجوم، كما كانت القناة هي أول من سك مصطلح الغزوة قبل أن يعتمده التنظيم فيما بعد رغم الخطأ الاصطلاحي في استعماله، فمن المعلوم لدي كافة المسلمين أن أي عمل عسكري لا يشارك فيه النبي الكريم لا يكون غزوة، لكن من يهتم لذلك في غمرة الحماس العارم.

مرت أيام من النشوة التي وزعتها الجزيرة على العالم العربي قبل أن ترد الولايات المتحدة، فدكت بطائراتها أفغانستان على رأس طالبان والقاعدة وطاردت قواتها الخاصة قادة القاعدة في جبال تورابورا وزجت بالمئات من أعضاء التنظيم في غوانتنامو.

نالت قناة الجزيرة حصتها من تلك الحرب حين اعتقلت اسبانيا صحفيها الذي غطي الحرب، والذي ظل يمثل خلال تلك الفترة ناطقا شبه رسمي لتنظيم القاعدة الإرهابي، ونقصد هنا الصحفي السوري الأصل تيسير علوني حيث وجه له الادعاء العام الاسباني تهمة التعاون مع القاعدة.

ولسوء حظ الجزيرة تم نقل أحداث المحاكمة على الهواء مباشرة، وهو ما شكل صدمة لمشاهديها بسبب الأدلة القوية التي قدمها الادعاء الاسباني على ارتباط علوني بالقاعدة. بدأ نجم القاعدة في الأفول لكن الجزيرة ظلت تبث فيها الحياة بأشرطة منتظمة لقادتها وترويج مستمر لموقعها الالكتروني “السحاب”، غير أن خطأ كارثيا ارتكبته الولايات المتحدة أعطي القاعدة وقناة الجزيرة فرصة جديدة للحياة بل وللتطور.

غزو العراق

غزت الولايات المتحدة العراق وقامت بتفكيك مؤسساته العسكرية والأمنية وأصبح نهبا للفوضى من كل اتجاه مرت الأيام الأولي بسلام ولم يحصل اقتتال أهلي كما كان متوقعا بفضل حكماء شيعة وسنة منهم علي السيستاني والشيخ احمد الكبيسي، كما أن الطائفية بشكلها الحالي كانت دخيلة على العراقيين، لكن الأمر لم يستمر طويلا.

بدأت قناة الجزيرة بالغمز من قناة الشيعة منذ اليوم الأول للاحتلال، وتم ذكر ابن العلقمي أكثر من مرة في برامج القناة، قبل أن يتصاعد الأمر بشكل دراماتيكي، شكلت قطر هيئة علماء المسلمين على عجل وتم طرد احمد الكبيسي من العراق، لتشن القناة حملة غير مسبوقة من التحريض على شيعة العراق وتم وصفهم بكل تلك الأوصاف المنتشرة الآن من قبيل الروافض والمجوس والصفويون والبويهيون.. كان ذلك تمهيدا موضوعيا لظهور النجم الجديد أبو مصعب ألزرقاوي.

دخل الزرقاوي العراق بشكل مريب، أسس تنظيم التوحيد والجهاد قبل أن يتبناه بن لادن تحت اسم القاعدة في بلاد الرافدين، وقد مثل تنظيم الزرقاوي الموجة الجديدة من تنظيم القاعدة والتي أخذت من الحرب الطائفية مصدرها الرئيسي لاستقدام المجندين وأصبحت الأوصاف التي أطلقتها قناة الجزيرة على شيعة العراق هي الأدبيات الجديدة للتنظيم صال سيف الزرقاوي في العراق، سالت الدماء في كل مكان قُتل الشيعة بالجملة والسنة غير المبايعون والعمال الآسيويون، ذُبح الرهائن العزل وجزت رقابهم على شاشة القناة.



انتشرت موجة من سفك الدماء لا سابق لها، فبالنسبة للزرقاوي كان المهم أن يتصدر عناوين الأخبار، ولتحقيق ذلك يجب قتل أكبر عدد من الناس، فُجرت الحسينيات والجوامع وساحات يقف فيها العاطلون عن العمل. مرة أخري ارتفع مستوي الوحشية لكن القناة ظلت تهلل، فهذه المرة هي شريك في القصة منذ بدايتها.

مرات عديدة كانت الوحشية تفوق أي احتمال فتخترع القناة نظرية مؤامرة جديدة وهي أن الزرقاوي ليس إلا فيلما هوليوديا، وهكذا وفي ساعة إخبارية واحدة يكون نصف الساعة الأولي عن بطولات الزرقاوي والنصف الثاني يبرهن فيه أحد كومبارسات القناة انه فلم هوليودي.

مع استمرار فظائع الزرقاوي في العراق حددت القناة سؤالين اثنين مخصصين للإعمال الإرهابية في العراق وهما لماذا هذا التوقيت؟ ومن الغرابة أن يسأل عن توقيت عمل إرهابي في العراق في تلك الفترة حيث كان معدل العمليات الإرهابية –لا أقصد مقاومة الامريكيين -أربعين عملية في اليوم.

السؤال الثاني من هو المستفيد؟ وهو سؤال جنائي وطرحه لتفسير جريمة سياسية هدفه فقط تضليل المتلقي.

من الأمثلة الصارخة على ذلك حادثة اغتيال محمد باقر الحكيم في النجف، أرسل الزرقاوي احد أقاربه في شاحنة مفخخة قتلت محمد باقر الحكيم مع العشرات من المصلين وطرحت القناة السؤالين ، وزعت الاتهامات علي إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وكل من يخطر علي بالك بدعوي انه المستفيد، دون أن تشير إلي المتهم الحقيقي والفاعل كما تبين بعد ذلك، فبعد أيام قليلة تبني الزرقاوي العملية في تسجيل صوتي ولم تشر القناة إلي ذلك أحري أن تعتذر، وقد تكرر ذلك مع جميع الجرائم التي تري القناة انه ليس من مصلحة الزرقاوي نسبتها إليه ليصبح الأمر منسقا بشكل واضح، فبعد ارتكاب تنظيم ألزرقاوي لجريمته النكراء عليه أن يصمت لمدة يومين علي الأقل توزع القناة فيهما الاتهام علي أطراف كثيرة وبعد ذلك يعلن التنظيم مسؤوليته لأتباعه وتكتفي القناة بكتابة ذلك في شريطها الأحمر.

دخل العراق في حرب أهلية صريحة وأصبحت تقارير القناة عبارة عن عد يومي لعدد الجثث في بغداد وبرامجها تبرر كل ذلك دونما أي وخز للضمير. لكن فجأة ودون مقدمات ظهر ضوء في نهاية النفق، عبد الستار أبو ريشه شكل صحوته وقدم خطابا مختلفا في عمق سيطرة القاعدة في الانبار، استدعت القناة هيئة علماء المسلمين والتي لم تكن اكثر من ذراع سياسي للقاعدة لتشن حملة تخوينية شرسة علي “الصحوات” و أسماها أمين عام الهيأة حينها حارث الضاري قوات الغفلة معلنا عبارته الشهيرة القاعدة منا و نحن منهم، لكن أبو ريشه كان يرسخ أقدامه في الرمادي وينهي أسطورة الزرقاوي، ثم جاء تدخل ديفد بترايوس ليوجه ضربة قاصمة للقاعدة والمليشيات الشيعية في أن واحد،
قتل الزرقاوي وهرب حارث الضاري الي الأردن وقادة المليشيات الشيعية الي ايران ليحل هدوء نسبي كان العراق في أمس الحاجة إليه.

داعش وكشف السر

عاشت القناة مرة أخري فترة جمود، لكن انطلاق انتفاضة تونس في نهاية 2010 شكلت بداية لربيع جديد لكن ليس للعرب بل لقناة الجزيرة والموجة الثالثة من القاعدة: تنظيم داعش .

تعلم تنظيم داعش الدرس جيدا فالإعلام والبروبغاندا هما وسيلة التجنيد المضمونة، وشريط مصور مدته خمسة دقائق يفوق تأثيره عشرة كتب مجتمعة من الفكر الجهادي، ولا يزال البعض يبدي دهشته من قوة داعش الدعائية دون معرفة ما تعنيه الدعاية لتنظيم كداعش وللتشكيلات النفسية التي يستهدفها.

أخيرا بدأ بعض أصحاب القرار في الدول الغربية ينتبهون لخطورة العلاقة بين الاعلام والإرهاب، وذلك من خلال اتخاذ خطوات تبدو شكلية لكنها مهمة، فقد رفض مدير المباحث الفيدرالية ذكر اسم القاتل في أي تصريح صحفي عقب جريمة أورلاندو، كما اتبع الاعلام الفرنسي سياسة اعلامية متحفظة في تغطية الأحداث الارهابية منذ العام الماضي بعدم بثه أي صور للضحايا، وهي خطوات مهمة لكنها لن تكون كافية ما لم تكن هناك وقفة جادة من أجل فهم دور الاعلام الحقيقي في نشر الإرهاب.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: