دهاليز التعبئة والتنظيم.. بقلم: محمد البيروني

فلسطين
0

استميح صديقي ومعلمي أبو نائل قلقيلي العذر لاستعارة عنوان كتابه الجديد “دهاليز الوطن” عنوانًا لهذا المقال، وحتى لا يساء الفهم فإن دهليز تعني الرواق، مدخل البناء.

قادتني الصدفة قبل يومين لزيارة مكتب التعبئة والتنظيم القديم مقابل أجنحة جمزو. الصدفة اشعلت في قلبي وهج الحنين إلى ماض قضيناه مع هاني الحسن رحمه الله في مكتب التعبئة والتنظيم بحلته القديمة. لقد مضى وقت طويل منذ ان هُجِر هذا المكتب مباشرة بعد اقالة ابو طارق من مهمته كمفوض للتعبئة والتنظيم وانتقال طاقم التعبئة إلى المقر الذي تشغله حركة فتح منذ ذلك التاريخ. بانتظار دوري لدى ممثلية روسيا، ثار لدي السؤال اللئيم، لماذا نقلنا مقرنا الجامع هذا إلى عمارتين جديدتين تفتقدان مميزات هذه العمارة الرائعة.

أول ما يستقبلنا هو ساحته الواسعة المرصوفة بمربعات من الحصا على شاكلة لوحة الشطرنج، ثم ها هنا المدخل. إلى اليسار مباشرة جهز مكتب الفريق نصر يوسف منسقاً للمكتب الحركي العسكري، وإلى اليسار مباشرة قاعة الاجتماعات الاولى. في واجهة المدخل إلى اليمين جهز مكتب الدكتور سمير التميمي منسق لجنة المؤسسات. وإلى يساره وضع مكتب مفوض التعبئة والتنظيم طيب الذكر هاني الحسن.

لدواعي الضرورة هبطت نحو مواقف السيارات، وقمت بزيارة المخازن التي احتوت مطبعة حركة فتح وفعالياتها الثقافية من طباعة المجلة إلى طباعة الكتب، وللمطبعة قصة خاصة بها ولها حياتها منذ ان اشتراها شلومو او بنحاس او اي كان ثم آلت إلى الشاعر ماجد ابو غوش. وبعد أن استنفذت حصتها الطباعية المقررة في سجل الاستخدام، إذ سجل عدادها ما بضعة ملايين من السحبات، انتقلت إلى حوزة دار الكرامة التي انشأها وأدارها عضو المركزية صخر حبش رحمه الله. ثم وجدت مستقرها في مستودع التعبئة والتنظيم حيث زفرت بعض الانفاس بطباعة مجموعة من الكتب كان اخرها كتاب احد كبار مفسري القرآن الكريم جلال الدين السيوطي “الوشاح في علم النكاح”. لكنها استمرت تكافح إلى ان لفظت انفاسها الاخيرة بعد انتقالها إلى  مستودعات مكتب التعبئة والتنظيم الجديد.

ولكن كيف تجمع كل هذا الكم من الفعاليات الحركية في مكتب واحد، هنا نسترجع روح هاني الحسن التجميعية، لقد ادرك هاني منذ البدايات، ان اوسلو والتي ايدها بتحفظ، تحمل في طياتها اتجاهين، الاول، هو اتجاه الأسرلة، بحيث ينشأ جيل سيعتاد تدريجيا على كلمة اسرائيل، ليس كحقيقة واقعة لا يمكن نكرانها، بل كتغيير منهجي في نمط التفكير الرافض اصلا لقبول كيان دخيل لا يتجانس مع المحيط الذي وجد فيه، ابتداء من اواسط آسيا شمالا، حتى اليمن جنوبا، ومن الباكستان وافغانستان شرقا وصولا إلى المغرب على المحيط الاطلسي. الاتجاه الثاني، والذي سعى هاني الحسن من خلاله لمواجهة الاتجاه الاول، هو الاتجاه المتمسك بالهوية الوطنية الرافضة للاندماج الثقافي والقبول النمطي لدولة اسرائيل وكأنها موجودة منذ الازل. وحتى لا يساء الفهم فإن هاني الحسن، الناقد لأسلو، لم يكن رافضا ميكانيكيا له. كان متحمسا لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967. كان دائم التكرار لعبارة “الكفاح المسلح يزرع، والعمل السياسي يحصد، مجرم من يزرع ولا يحصد”. هذه عبارة وجيزة لكنها متخمة بالتعبير، لقد قاتلنا شمالا وشرقا وجنوبا وغربا، وآن الأوان للحصاد، والحصاد هو اقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967. لكنه لم يكن غافلا ابدا عن ان اوسلو تحمل في جوهرها ومن خلال نصوصها بذور تشتت الجهد الفلسطيني في مواجهة التراجعات الاسرائيلية عن التزاماتها. وهذا ما حدى بهاني ان يكون مؤيدا متحمسا للانتفاضة الثانية، لذا نراه ملتزما مقر قيادة ياسر عرفات في المقاطعة اثناء فترة الحصار والاقتحامات، ملاصقا له متمسكا بنهجه طوال فترة الحصار. لاحقا، عبر هاني الحسن عن مدى افتقاده لياسر عرفات بعد وفاته بالعبارة التي كثيرا ما كان يكررها، فلم يكن يتطرق إلى اسم عرفات الا مقرونا بعبارة “اسد المقاطعة”.

لم تكن به غلظة، لا شكلا ولا بجوهره، فقد كان ناعم المنظر، لا يخلو من وسامة على الرغم من تقدمه بالعمر، في كلامه ليونة لا تخفي حزمه، يستمتع بالنكتة ويوظفها في شرح المقصود، كثيرا ما يلجأ إلى التشبيهات كوسيلة مكثفة عن التعبير، عبارة واحدة تختصر مفهوما معقدا، كلمة واحدة “الاسرلة” تعبر عن نهج متكامل، “اسد المقاطعة” تحتمل معاني كثيرة، المقارنة في جوهرها، وتنتهي بأن عرفات الذي تبني الحل السلمي لم يتخلَّ عن الكفاح المسلح، وهذا نهج مكثف ايضا، استخدامه الدائم لتعبير “الحية والعصفور” تشرح معنى المناورة وعدم الاستسلام والقدرة على مواجهة قوة طاغية. ذات مرة وصفني بكلمتين “انت بعثي”، بعثي! انا أشد الناس مقتاً للبعث، فسجون البعث مقبرة للاحياء، اموات دون اي احتمال للبعث. وكان لزاما عليه ان يفسر ذلك التشبيه، فسره بنكتة لا استطيع ذكرها، لكن مغزاها، كثير الكلام، عديم الفعل “وليس قليله”.

القاعة على يمين المدخل في الطابق الارضي، شهدت محاولات جمة للملمة الحركة واعادة توحيدها، هذه الجدران شهدت لقاءات ساخنة، كان اولها محاولته لجمع قادة الحركية العليا التي حلها ياسر عرفات واستبدلت بالتعبئة والتنظيم، اراد هاني الحسن بشدة ان يستعيد هذا الكادر المتمرس وان يدمجه في العمل التنظمي المتكامل، لكنه جوبه بالرفض، لقد اعتادوا ان يكونوا قادة ولم يكن لديهم اي استعداد للقبول بهاني الحسن قائدا، حتى ان احدهم، لم يتردد في القول، ان “هدفنا كان افشالك”. قالها بتحبب، لكن هذه العبارة كانت جادة، إذ استمر العمل بها طوال فترة تولي هاني الحسن لقيادة التعبئة والتنظيم. محاولات افشال هاني الحسن مفوضا للتعبئة والتظيم لم تتوقف طوال فترة توليه المهمة، تلبست اشكالا أخرى، لكنها استمرت، شكلها الابرز تمثل في انتظار سعاة افشاله المرير المعبر عنه علنا بانتظار عودة الأخ ابو ماهر غنيم، المقيم في تونس، ليمارس مهمته التاريخية على ارض الوطن، مفوضا للتعبئة والتنظيم، بديلا عن هاني الحسن. لقد جاء انهاء مهمة هاني الحسن مفوضا للتعبئة والتنظيم في ايلول 2007 من جهة اخرى، بعيدة كل البعد عن الوطن.

القاعة ذاتها شهدت جهوده الكبيرة في سبيل تشكيل لجنة مستحدثة تضم الاكاديميين من مختلف الجامعات، وقد تم استدعاء عدد من حملة الماجستير والدكتوراه، محاضرون وعمداء في مختلف الجامعات، للاسف، لم تتمكن قدرات هاني الحسن التجميعية والقيادية، والكارزما الخاصة به من الوصول معهم إلى نتيجة، وبعد بضعة جلسات مكثفة معهم، سعى فيها لايجاد الية مقبولة لوضع خطة عمل وتوزيع مهام تجمعهم في لجنة واحدة بمنسق واحد ولجان فرعية اخرى. وكانت النتيجة ان فرط عقدها بعد ان عبر هاني عن غضبه. كان يرغب بشدة ان يصنع منهم قادة للعمل التنظيمي، محاولة ثانية باءت بالفشل.

فكرة التعبئة والتنظيم لدى هاني الحسن لم تكن مجرد وظيفة وشغور مقعد يحتاج إلى من يحتله او لقب يضاف إلى القاب أخرى. لدى هاني الحسن كانت التعبئة والتنظيم هيئة اركان متكاملة هدفها اعادة بناء فتح. كان يؤمن بأن المشروع الوطني برمته كان يتمثل في حركة فتح، وفشل حركة فتح ستكون له نتائج وخيمة على المشروع الوطني. ليس في هذا الكلام ما هو جديد، انه الرسالة التي يحملها كل فتحوي بدون استثناء. الجديد هو ان هذا الشعار لدى هاني شكل دافعا محموما للعمل من اجل تنفيذه، أما ما تجاهله هاني، غلطة هاني القاتلة، هو انه في زمن اوسلو، الكلام ليس عليه ضريبة، اما التنفيذ، او حتى مجرد التفكير بالتنفيذ، فهنا يدخل المرء نفسه في وكر الافاعي السامة.

في فترة متقدمة، اعيد تأثيث قاعة الاجتماعات في الطابق الارضي وتحولت إلى مكتب جديد، شرفنا المرحوم عثمان ابو غربية عضو مركزية فتح حيث اشغل المكتب منسقا عن لجنة القدس قبل انشاء مفوضية القدس، كما شرفنا محمد المدني ليحتل مهمة العمل في لجنة الانتخابات التشريعية والرئاسية.

يمكن القول ان الطابق الارضي كان مميزا بمن شغلوا مكاتبه، وهنا مكمن روعة ان تتجمع فعاليات فتح في مكان واحد رحب، فأبناء الحركة القادمون من الاقاليم، واعضاء اللجان، توفرت لديهم الفرصة الدائمة للقاء قامات تنظيمية وعسكرية متمرسة، ان مجرد الجلوس مع المرحوم عثمان ابو غربية، والاستماع إلى تحليلات نصر يوسف واشعار الدكتور سمير التميمي المفعمة بالاحاسيس الصادقة وبساطة الفكرة الحركية لدى محمد المدني، يترك اثره الكثيف لدى المستمعين.

ابدى هاني اهتماما عاليا باللجان، ابتداء من لجنة العضوية التي ادارها عوني المشني وعملت بطاقم كبير على وضع استمارات لاعضاء حركة فتح في كافة الاقاليم، ولجنة الشبيبة الفتحاوية التي ترأسها حسن الخطيب، ولجنة الاسرى والمحررين التي وقف على رأسها المرحوم محمد لطفي. ولجنة امن التنظيم التي ترأسها المرحوم رمضان البطة، ولجنة الدراسات الفكرية التي شغلها محمد عودة، ولجنة الانتخابات الحركية التي ادارها جمال حماد.

كان هاني يكره الدسائس بين العاملين، لذا لم يكن يتوانى عن صرف من يرى فيهم هذه الخاصية، كان يعلم من يقدم به التقارير وإلى اين تذهب هذه التقارير ولم يكن يكترث، لكنه لم يتردد ابدا في ابعاد من يحاول التحريض على زملائه في العمل. تفقد الأسماء الواردة اعلاه، والاسماء التي سوف تميز الطابق الثالث والرابع، سوف يلاحظ مدى الانسجام والمشاركة بين مختلف فعاليات هذه البناية التي عمَّرَها هاني الحسن بكفاءة تامة، كانت اشبه بخلية النحل، الداخلون يحملون معهم الرحيق المتمثل في منجزات الحركة في مختلف الاقاليم، في الداخل تتم معالجة المعطيات الواردة، الخارجون يحملون معهم النتائج، يلتقون، يتحدثون، يتعرفون بعضهم على بعض، حركة دؤوبة لا تتوقف.

يحتل بكر ابو بكر مكتبا مميزا في الطابق الثالث، منسقا للجنة تدريب الكادر سويا مع طاقم متميز، عمر ابو شرار ورمزي، كان هذا المكتب بالنسبة لي، اضافة إلى لجنة الشبيبة، عنوانا جذابا من حيث اتصالها المباشر مع شبيبة الوطن، تنظيما وتثقيفا وتدريبا. وفي هذا الطابق ترأست المرحومة ربيحة ذياب، بعنفوانها الجم، لجنة المرأة الفلسطينية، وإلى جوارها، سيدة الابتسامات، دلال سلامة منسقة لجنة المنظمات غير الحكومية. وعبد المنعم حمدان، منسق لجنة المكاتب الحركية، وأكرم العايدي، منسق العلاقات الجماهيرية.

لم يكن هاني الحسن مغرما بالمكاتب الوثيرة، فقد تنقل بين مجموعة من الغرف، يترك احدها بعد ان يتم تأثيثه بما يليق بمفوض التعبئة والتنظيم ليجلب فعالية حركية من خارج التعبئة، وكان اخر هذه المكاتب، هو ما قام المشرفون على راحته التي لم يكن يرغب بها بإعداده له في الطابق الرابع، مكتب المفوض، مكتب متسع، مؤثث بأحسن ما يكون، ملحق به مكاتب ادارية شغلها سكرتيره ياسر المصري، مرافقه وكاتم اسراره والمطلع على خفايا تحركاته، اضافة إلى مدير مكتبه ابو حسام، ثائر، والذي رافقه عبر حله وترحاله. لكن هاني لم يستقر في هذا المكتب مطولا، فما هي الا بضعة اسابيع، حتى تخلى هاني عن مكتبه هذا، والذي يليق برئيس وزراء، وهبط طابقين كاملين، ليحتل مكتب محمد لطفي ياسين، عليه رحمة الله، مكتب كسائر المكاتب، بلا فخامة زائدة. وبمجرد اخلائه لمكتبه في الطابق الرابع، هل علينا عزام الاحمد، عضو المركزية مع فريق عمله، باعتباره رئيس كتلة فتح في التشريعي، جاء مع كتلة فتح كاملة، ليُغْني هذه العمارة بفعالية جديدة، وزخم جديد، واستمرت كتلة فتح تشغل الطابق الرابع كاملا، إلى ان اقيل هاني من مفوضية التعبئة والتنظيم، وانتقلت مكاتبها إلى العمارتين الجديدتين.

لم يكن هاني موظفا، الوظيفة تعني الالتزام بساعات الدوام، ولم يكن هاني ليلتزم بساعات الدوام، فالدوام لديه هي كل الوقت خلال الاربع والعشرين ساعة من اليوم باستثناء ساعات النوم وملحقاتها، والدوام لديه ليس مرتبطا بمكتب التعبئة والتنظيم، هو يمارسه داخل السيارة اثناء تنقلاته بين الاقاليم، وهو يمارسه في بيته الذي تعمه الفوضى نظرا لكثرة الداخلين والخارجين، خلية النحل ترافقه حيثما حل وارتحل. كان به شيء من صفات عرفات، كثرة الدوام، سخاء اليد، وما هو فوق ذلك، نبرته التفاؤلية، لم نسمع منه ابدا عبارة احباط، فهو واثق بالنصر، مؤمن بحتمية تحقيق الحلم الفلسطيني، هو مؤمن عظيم بالشعب الفلسطيني وكفاحه وقدراته وامكانياته، يستذكر ابطال ثورة القسام والتي كان والده احد ابطالها، يسترجع شهداء ما قبل النكبة، يتحدث عن ابطال الكفاح المسلح بحنين لا يخفى، طائر الفينيق لديه ليس اسطورة، هو حقيقة واقعية، فنحن ننطلق من رمادنا، كلما كبونا نعود مرة اخرى عملاقا يخشاه الآخرون. يصف حالنا في معارك جرش عام 71 قائلا: اصبحنا مثل الدود لا نتقن الا فن الزحف، وكيف ان اولئك الزاحفون كالديدان، استقاموا ليرفعوا راية الثورة في الجولان وجنوب لبنان وخاضوا معركة صمود بيروت.

مما لا شك فيه ان وفاة عرفات تركت لديه اثرا كبيرا، لقد علم يقينا ان مرحلة جديدة تقودها أمريكيا بدأت ، وبدأ يستشرفها، ويدرك تقدمها المتسارع، بدأ يتحدث عن انهيار الدول وتفكك الوحدة العربية تحت مطارق الاسرلة، وأن الاسرلة لن تكون محصورة على الفلسطينيين الذين سيقاومونها ولن يرضخوا لها، بل بمفهوم الدول العربية الشامل، تنبأ هاني بانهيار دول ومفاهيم، كان يتحدث عن قطر التي اصبحت اكثر اهمية من مصر، وعن ابو ظبي التي كانت تتودد لرضاء ياسر عرفات وصارت تهدم دولا وتنشء غيرها، وعن انيهار النظام العربي الوشيك لصالح تمتين موقع اسرائيل، لو انه ما زال حيا لقالها بملء فيه: “ألم أقل لكم”.

ما الذي كان يحرك هذه الآلة الجبارة، آلة التعبئة والتنظيم، من اين تأتي الموارد. وهنا يشرفنا ان نتحدث عن احد عمالقة فتح التاريخيين، عدنان سمارة، مهندس التصنيع الحربي (ال 23) في سوريا، ورفيقه ابو حسن هديب. وقد خصص لهما مكان متسع في الطابق الثالث، لإدارة موارد التعبئة والتنظيم. هل كان هذا يكفي؟ ابداً، هنا يأتي دور هاني الذي فتح جيبه الخاص للتمويل. كلنا نعلم ان عائلة الحسن بكافة مكوناتها عائلة ذات يسار، عبر عن ذلك عضو المركزية المرحوم خالد الحسن بمقولته الشهيرة، “الحمد لله الذي جعلنا من ذوي اليسار (اي يسر الحال) ومن ذوي اليمين (اي الايمان بالله)”.

لم يسمح لابنته او لابنه بأن يتولى وظيفة في السلطة، وقد شمل ذلك ابن اخيه الدكتور هيثم الحسن الذي نآى بنفسه عن قبول وظيفة في السلطة، معتبرا ان خدمة الوطن اولى، كطبيب بارع في مجال اختصاصه.

بقي ان اتحدث عن مكتبي، مكتب الاعلام والنشر، لم يكن لديه الوقت الكافي للكتابة، لذا كان يختصر الفكرة ويطلب مني اخراجها، استدعاني إلى بيته قائلا، فتح بلا مجلة تتحدث باسمها يعتريها النقص، اخبرته ان هذا اختصاصي، وكان لا بد ان نتفاهم على المبادئ، هو قرر اسم المجلة، “الوقائع الحركية”، لم يرق لي الاسم لكنه اصر عليه. المبدأ الثاني ان مجلة فتح لن تكون بوقا دعائيا لأحد، حتى لهاني ذاته، المبدأ الثالث انه اطلق يدي في الكتابة والتحرير والمونتاج والطباعة كل شيء. اصدرنا بضعة اعداد لا غير، فلم تكن لدينا موازنة خاصة بالمجلة الا من فائض مال لم يكن يفيض.

ادرك هاني الحسن ان سيرته كمفوض للتعبئة والتنظيم اقتربت في وقت متأخر من عام 2006، فقد تم استدعاؤه مع محمد دحلان إلى واشنطن، وبالذات إلى البنتاغون، هناك طرحوا عليه سؤالا واحدا، وقبل طرحه حذروه بأن اجابته تحتمل احد طريقين، إما أن يواصل للقاء رامسفيلد، وزير الدفاع انذاك، او يغادر عن طريق الباحة، ولا يخفى على احد ان هاني غادر عن طريق الباحة، لكنه ادرك قبل الجميع ان محمد دحلان لم يكن رفيقه في الخروج بذات الطريق، وكان له موقفه منه في وقت مبكر، طويلا قبل ان تختفي صور الدحلان عن ارفف وطاولات العديد من مكاتب قادة الحركة والسلطة.

ومع انتهاء فترة حياة هاني الحسن التنظيمية كمفوض للتعبئة والتنظيم، سرعان ما انتهت فترة حياة مكتب التعبئة والتنظيم كمقر حركة فتح الاساسي.

اقر هنا بأن قدرتي على الاستيعاب قليلة، وان فهمي لبواطن الامور محدود، غير ان السؤال الذي طرحته منذ اليوم الاول الذي اتخذ به قرار نقل مقر التعبئة والتنظيم ما زال يؤرقني، وذلك بعد 12 عاما، فقد اتخذ قرار نقل مقر التعبئة والتنظيم الذي جهزه هاني الحسن من الفه إلى يائه، إلى مقريه الجديدين قبيل انعقاد المؤتمر السادس في بيت لحم. وانا واقف امام الممثلية الروسية التي احتلت مكتب الفريق نصر يوسف، استعادت ذاكرتي ايامنا الاخيرة، وثار لدي السؤال اللئيم، لماذا نقلنا مقرنا الجامع هذا إلى عمارتين جديدتين تفتقدان مميزات العمارة القديمة. امتازت بأنها وفرت كافة احتياجات حركة فتح، من حيث جودة المكان والعمارة، ورحابة المكاتب، وتوفر المواقف، والمستودعات، والعامل الاكثر اهمية، وقوعها على محاور المواصلات، بحيث يبعد موقف العمومي عنها مسيرة دقيقتين فقط.

غير ان الخسارة الكبرى لم تكن في فقد المميزات هذه، بل تمثلت في فقد مكتب التعبئة والتنظيم جوهر فكر هاني الحسن التجميعي، فبمجرد ان اخليت العمارة حتى عاد من من جمعهم هاني ليتفرقوا. وفقدت المكاتب الجديدة زخمها المكتنز.

وكان اهم ما فقدناه روح هاني الحسن العرفاتية التي لم يعوضها مفوض التعبئة والتنظيم اللاحق.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: