ظاهرة العنف و التكفير: قراءة في تطور الحركات التكفيرية.. للباحث الموريتاني ممّود علي

العشرية السوداء
0

 ظاهرة العنف و التكفير: قراءة في تطور الحركات التكفيرية.. للباحث الموريتاني ممّود علي

ممود-علي
ممود-علي

 على امتداد التاريخ الإسلامي شكلت مجموعة من العوامل العقدية والنفسية أسبابا لظهور ايدولوجيا العنف و التعصب الديني في المجتمعات الإسلامية، و من خلال بحث كرونولوجي يتضح مدى الارتباط الفكري و العملياتي بين هذه الحركات و التنظيمات على اختلاف مذاهبها و مراحلها الزمنية المتباعدة نسبيا، وقد ظل ذلك الترابط ملحوظا حتى مع التطورات الحاصلة في الوسائل المادية و الأدوات التعبوية لدى هذه الجماعات.

الخوارج بذور التعصب

لقد شهدت سنة 37 للهجرة ولأول مرة ولادة ما بات يعرف الآن بالفكر التكفيري في الإسلام، كان ذلك علي يد مجموعة من القراء في جيش الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ستعرف لاحقا تلك المجموعة باسم الخوارج، و لا يزال الغموض يكتنف الأسباب المباشرة و الخلفيات الثقافية والعصبيات القبلية التي يمكن أن تكون ساهمت في ظهور هذا النمط من التفكير لدي فئة من المسلمين وبتلك الطريقة الفجائية التي ترويها كتب التاريخ ، حيث انشقوا عن قائدهم ووجدوا من الأدلة الشرعية ما يؤكد كفره وكفر خصمه وكل ذلك خلال استراحة معركة لم تتجاوز نصف يوم.

و يري الكثير من المؤرخين أن الصدمة التي أحدثتها واقعة التحكيم كانت السبب المباشر لظهور الخوارج ومن المؤكد أن كلمة التحكيم مثلت اللبنة الأولي في الفكر الخارجي المعتمد علي الفهم المغرق في السطحية للنصوص، فقد كان رأي تلك المجموعة بكل بساطة: لقد حكمتم أبا موسي الأشعري وعمرو بن العاص و خالفتم صريح الآية ((إن الحكم إلا لله)).

 تحولت جماعة الخوارج بسرعة إلي حركة تمرد خارجة علي الحكم والمجتمع معا، وقاتلت كل من يخالفها الرأي مع استسهال كبير في إراقة الدماء وغلو واضح في فرض الأحكام والحدود، لكن يبقي أسوأ ما قدمته الحركة الخارجيّة وما سيكون له بالغ الأثر في التاريخ الإسلامي هو فكرة التكفير نفسها، لقد زرع الخوارج بذرة التكفير وفي كل مرحلة من التاريخ الإسلامي كان هناك من يسقي تلك البذرة و يقطفها.

لم تستمر فورة الخوارج كثيرا واستطاعت الدولة الأموية أن تقلص وجودهم إلي حد بعيد مع استمرار بعض الجماعات التي تشاكس من حين لأخر بشكل معزول، لكن الفكرة الخارجيّة لم تمت فخلال الحقب الإسلامية اللاحقة كان هناك دائما من يعتمد عليها في التمرد علي الدولة والمجتمع وظهرت حركات كثيرة تبدو في الظاهر بعيدة عن الخوارج كالقرامطة مثلا لكن جوهر تلك الحركات لم يكن إلا تنويعا للفكر الخارجي و تجليات للتعصب الديني بأنماطه المختلفة.

داعش
داعش

الحشاشين: التقاء الفكر الباطني و الجريمة السياسية

من بين تلك الحركات التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي الممتد سنقف مع حركة ظهرت في القرن الحادي عشر الميلادي كانت مختلفة عن كل ما سبق، وقد عرفت هذه الحركة في المصادر الغربية وعند بعض المؤرخين: باسم جماعة الحشاشين.

إن ما يجعل جماعة الحشاشين جديرة بوقفتنا هذه ليس لأن فكر وممارسة هذه الجماعة شكل تطورا نوعيا عن جميع الحركات الخارجيّة السابقة فحسب، بل ولأنه شكل ارتباطا وثيقا مع الجماعات الخارجيّة التي نعرفها اليوم، وليس بحثنا هنا حول جماعة الحشاشين تأسيسا وتأريخا فقد أشبعه المستشرقون دراسة قبل المسلمين وإنما حول ما نراه ارتباطا بالفكر الخارجي الذي بدأ في القرن الأول الهجري وتأسيسا للموجة الخارجية التي تنتشر اليوم في القرن الخامس عشر هجري.

 استقر مؤسس جماعة الحشاشين أو شيخ الجبل حسن الصبّاح مع أتباعه في قلعة “الموت” المحصنة في إيران، و كانت دعوته في البداية قد ارتكزت علي طلب الإمامة لنزار بن المصطفي لدين الله في صراع داخل الطائفة الإسماعيلية، لكن ما بعد صعود حسن الصبّاح للجبل يختلف عن ما قبله، فقد أسس حسن الصبّاح إمارته الخاصة، ومع أن الهادي ابن نزار وخليفته استطاع أن يفر من مصر بعد وفاة والده، إلا أن المراجع التاريخية لا تذكر أن حسن الصبّاح نصبه خليفة أو سلم له إمارة الجماعة، بل استمر في قيادة الجماعة وبسط نفوذه الروحي علي أعضائها، و شيئا فشيئا تحولت جماعة الحشاشين إلي أشبه ما تكون بإحدى الحركات الجهادية التي نعرفها اليوم،حيث أصبحت جماعة منعزلة تتحصن في الجبال و تقسم بالسمع والطاعة لقائدها، أما إيديولوجيتها المحركة فهي باختصار:( ليس علي وجه هذه الأرض من هو علي حق سوي الجماعة )، وعلى مستوى الممارسات والأساليب القتالية فقد شهدت تطورا بارزا لدي الجماعة ميزها عن كل ما سبقها من الحركات المتمردة في العالم الإسلامي بل وفي جميع الأمم الأخرى.

قام حسن الصبّاح من قلعته في إيران بتوجيه هجمات مروعة وغير مسبوقة، واعتمد في هجماته الغادرة والاقتحامية علي أساليب جديدة لم تعرفها الصراعات العسكرية قبل ذلك التاريخ، و نشر فدائيوه “الانغماسيون” الرعب في كل المنطقة التي تعرف اليوم بالشرق الأوسط (مصر والعراق و الشام وفلسطين ) فضلا عن إيران، واستطاعوا اغتيال ملوك وأمراء وقادة جيوش وشكل أسلوب مقاتليه الانتحاري صدمة للعالم آنذاك ، وهو ما أدي إلى نسج الأساطير عن الجماعة واتخاذها مادة في أعمال أدبية عالمية.

استمرت جماعة الحشاشين أكثر من قرن، إلى أن تلقت ضربة قوية في معقلها على يد المغول قبل أن يُجهِز المماليك المصريون علي من تبقي منها في الشام.

 لكن حكاية شيوخ الجبل المتحصنين وأتباعهم المطيعين لن تتوقف، وستتكرر بعد عدة قرون، و يمكن الاستدلال على ذلك بنموذجين من شيوخ الجبل المعاصرين هما: المصري شكري مصطفي، و السعودي أسامة بن لادن.

شكري مصطفى

شكري مصطفي: عودة التكفير

عندما تشبع شكري مصطفي بأفكار سيد قطب الأساسية حول جاهلية المجتمع، كان عليه أن يؤسس لمرحلة جديدة: فإذا كان المجتمع يعيش جاهلية جديدة فهذا يعني انه كافر وعلي “جماعة المسلمين” المضطهدة الهجرة عن هذا المجتمع تأسيا بما فعله النبي صلي الله عليه وسلم و صحابته.

أسس شكري مصطفي سنة 1973 جماعته الخاصة وأسماها “جماعة المسلمين” والتي عرفت إعلاميا بجماعة التكفير والهجرة وكسلفه حسن الصبّاح أمر أتباعه بالصعود إلي الجبال والمغارات في محافظة المنيا في صعيد مصر، وقد لخص شكري مصطفي رؤية جماعته الفكرية في التحقيق معه أمام النيابة المصرية بالقول: “إن كل المجتمعات القائمة مجتمعات جاهلية وكافرة قطعا….” و أسهب في ذكر مبادئ جماعته الموغلة في التكفير أمام المحققين، ويمكن الرجوع إلي نص التحقيق معه، فقد تم نشره في عدة صحف مصرية.

 لكن المسألة التي تميزت بها جماعة شكري مصطفي: هي دعوتها في بادئ الأمر إلي اعتزال المجتمع دون الدخول في صدام مع السلطة أو حمل للسلاح ضدها، وتركت أمر السلطة للعقاب الإلهي.

 ومن الجدير بالذكر أن سبب اكتشاف الجماعة لم يكن سوى صراعها الداخلي نتيجة المبدأ الذي اعتمدته في تكفير الخارجين من الأتباع عن طاعتها، و ككل جماعات التطرف الديني يبقي العنف أحد أكثر الأدوات أهمية وجاذبية.

 لقد شكلت حادثة اختطاف واغتيال الشيخ الذهبي، أبرز العمليات التي نفذتها جماعة شكري مصطفي وبداية نهايتها، سوى أن الجماعة قد استطاعت أن تنشر فكرها في بلدان عربية أخرى.

أسامة بن لادن

أسامة بن لادن: طفرة العنف العالمي

شيخ الجبل الثاني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس هو أسامة بن لادن زعيم ما بات يعرف بتنظيم القاعدة.

 أعلن أسامة بن لادن عن تأسيس الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين سنة 1998 في مدينة بشاور الباكستانية التي كان قد فر إليها بعد طرده من السودان وذلك بعد تفجيري نيروبي ودار السلام، ولا توجد وثائق محددة ولا كتب يمكن اعتبارها أساسا فكريا لتنظيم القاعدة ولم يعرف عن أسامة بن لادن أي ميزة علمية تذكر وكل ما كان يقدمه هو خطب تحريضية ضد الوجود الصليبي في أرض الحجاز وهي كناية عن القواعد الأمريكية في دول الخليج لكن تلك الأدبيات اختفت بشكل مفاجئ وغامض فور انتقال بعض تلك القواعد إلي دولة قطر.

وككل الجماعات التي سبقت تنظيم القاعدة فالفكرة التي تذكي جذوة التنظيم سرعان ما تتلاشي ويتم نسيانها في خضم الأحداث، وشيئا فشيئا تبرز أفكار جديدة ناتجة عن تطور الصراع ويتم التأصيل الشرعي لها باعتبارها ثوابت للتنظيم.

بعد أن اشتدت المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأسامة بن لادن لجأ الأخير إلى جبال أفغانستان التي كانت معظم أراضيها تخضع لجماعة طالبان، أقام معسكرات التدريب وجند آلاف الشباب وقد مثلت وسائل الإعلام الحديثة أكبر هدية للتنظيم الذي شن حربه العالمية من جبال أفغانستان، وقد استنسخ تنظيم القاعدة كل الوسائل القتالية التي نسبتها كتب التاريخ إلي جماعة الحشاشين من عمليات الاغتيال إلي العمليات الانتحارية المدمرة، أما الخطوط الفاصلة بين الأهداف الشرعية والدماء المعصومة حسب التنظيم فقد كانت رفيعة لدرجة يصعب تلمسها.

بعد عقدين من الإرهاب العالمي انكمش تنظيم القاعدة وقُتل مؤسسه أسامة بن لادن لكن ليس قبل أن يفرخ ابنه الشرعي والتنظيم الأكثر دموية تنظيم داعش. لكن داعش لم يكن فريدا من نوعه فقد سبقه تنظيم آخر كان مماثلا له في الإيديولوجيا و في أساليبه الوحشية والدموية إن لم يزد عليه، ظهر هذا التنظيم قبل داعش بعقدين من الزمن في بلاد المغرب وفي الجزائر تحديدا.

العشرية السوداء الجزائر

الجماعة الإسلامية المسلحة أو داعش الأولي

 ظهرت الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر مع بداية التسعينات وقد عرفت الجماعة لدي الجزائريين باسم “الجيا” وهو اختصار لاسم الجماعة باللغة الفرنسية،لكن الاسم الذي أفضل إطلاقه علي تلك الجماعة هو داعش المغرب وذلك بسبب التطابق الفكري بين التنظيمين إذا استثنينا فكرة الخلافة، إلا أننا نري أن التشابه الأبرز بين التنظيمين هو في الطبيعة الاجتماعية والتركيبة النفسية لقادة التنظيمين.

مع دخول الجزائر عقد التسعينات كان العائدون من أفغانستان يشكلون كيانا إسلاميا متمايزا عن التنظيمات الإسلامية التي عجت بها البلاد، وكانوا يجاهرون بخطابهم الداعي إلي قتال الحكام غير العاملين بشرع الله وكانت أعدادهم بازدياد مستمر وسط موجة عاتية من المد الإسلامي في الجزائر ليس هذا مكان تفصيلها.

ابتدءا من سنة 1989 دخلت البلاد في موجة اضطرابات سياسية قوية أدت إلي تحولات كبيرة قادت في النهاية إلي انتخابات تشريعية تعددية.

كانت أكبر التنظيمات الإسلامية التي دخلت الانتخابات هي الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهي جماعة تقع علي يمين تنظيم الإخوان المسلمين، وعكس ما يتغني به المثاليون المطالبون بالديمقراطية في العالم العربي لم تظهر الجبهة الإسلامية للإنقاذ أي اعتراف بالمبادئ لديمقراطية لا في تنظيرها الفكري ولا خطابتها الجماهيرية، وكانت الانتخابات بالنسبة لهم مجرد وسيلة لوصول من سيحكمون الناس بشرع الله وهو أمر معلن في خطابات قادة الجبهة، إلا أن العائدين من أفغانستان أصروا علي أن الدخول في الانتخابات هو أمر غير شرعي حتى ولو كان الهدف منه الحكم فيما بعد بشرع الله ورأوا أن قتال الحكام هو الطريقة الوحيدة للوصول للحكم وتطبيق شرع الله حسب مفهومهم.

 في ديسمبر من عام 1991 أوقف الجيش الجزائري الانتخابات التشريعية تحت ذريعة تهديدها لمبادئ الجمهورية الجزائرية حسب تبريره، وفي الشهر الرابع من سنة 1992 كانت الجماعة الإسلامية المسلحة قد صعدت إلي الجبال وأعلنت القتال ضد الدولة الجزائرية تحت قيادة مؤسسها الأول منصور الملياني،غير أن الجماعة لم تكتمل بنيتها التنظيمية والعملياتية إلا في أغسطس من العام نفسه تحت قيادة المدعو عبد الحق لعيادة. وسرعان ما ذاع صيت “الجيا” محليا و دوليا بسبب وحشيتها، وأهدرت دماء جميع العاملين في الدولة الجزائرية وأقاربهم من عسكريين ومدنيين، وقد شنت الجماعة موجة من التفجيرات والاغتيالات شملت كل ماله علاقة بالدولة الجزائرية مع إطلاق فتاوى تكفيرية من حين لآخر تفوق كل واحدة منها سابقتها في توسيع دائرة المكفَّرين بلغت ذروتها مع ((فتوى عموم الردة )) والتي أفتت بردة جميع الجزائريين باستثناء أعضاء الجماعة، وقد مثلت الفتوى الأخيرة ذروة موجة من الوحشية والتكفير أقدمت عليها الجماعة تحت زعامة قائديها الدمويين جمال زيتوني و عنتر زوابري.

عنتر زوابري

المنحرفون و قيادة “الجهاد”

يمثل وصول أشخاص من قبيل المنحرفيْن جمال زيتوني وعنتر زوابري قيادة جماعة إسلامية العلامة الأهم في مسار “الجيا” وهو أمر لم يحظي بالبحث الكافي من طرف جميع الدارسين للجماعات الإسلامية،فالتاريخ الإسلامي يروي كيف تميزت الحركات التكفيرية الأولي بالتشدد ضد أي مخالفة يرتكبها الفرد المسلم أحري في من يتولي إمامة المسلمين، ومن أشهر تلك القصص هي حادثة نافع بن الأزرق الذي قتله أتباعه في أوج انتصاراته بسبب تأخره في صلاة الصبح، إذن كيف بمنحرفيْن ظاهري الانحراف الأخلاقي مثل جمال زيتوني و عنتر زوابري أن يقودا جماعة إسلامية ذات مرجعية خارجيّة ؟.

تكثر حاجة الجماعات القتالية إلي الأفراد القادرين علي حمل السلاح وتفرض طبيعة العمل المسلح وخاصة ما يتم منه تحت الظل علي قيادة تلك الجماعات التغاضي عن الكثير من الضوابط الأخلاقية والدينية لدي الأفراد المقاتلين، وقد اتخذ الأمر في الجزائر اتجاها دراماتيكيا حيث وصل الأمر ببعض الجماعات إلي إسقاط الصلاة عن المجاهدين ! وقد امتلأت الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر بالمنحرفين من لصوص ومدمني مخدرات، لكن صعود المنحرفين إلي أعلي هرم القيادة وتنصيبهم أمراء لجماعة ( إسلامية تجاهد في سبيل الله ) كان هو الانقلاب الكبير الذي أحدثته “الجيا” في تاريخ الجماعات الإسلامية ذات المرجعية الخارجيّة.

تنظيم داعش
تنظيم داعش

داعش: العنف و الجريمة تحت شعار الخلافة

لم تكن جماعة داعش أو ما سمي: ( بالدولة الإسلامية في العراق والشام ) سوى احد أطوار العنف و الشناعة و التعصب الديني المفتعل لتأطير الجريمة السياسية و توظيفها بشكل لا يقف عند حدود و لا تحكمه أي قواعد، لقد نذرت تلك الجهات المؤسسة للعنف الديني في شكله الحديث أكثر الشخصيات المتطرفة انحرافا و نزقا لقيادة مشروع العنف الجديد.

 لم يكن أبو مصعب الزرقاوي المؤسس الفعلي والأب الروحي للتنظيمات المتطرفة التي نشأت بعد سقوط الدولة العراقية سوى شخص عرف بالجنوح و الخروج على القانون، و عند بلوغه الثامنة عشر من عمره كان قد أصبح معروفا بين أبناء حيه في مدينة الزرقا الأردنية بسجله الحافل بمخالفات من قبيل شرب الخمر وإدمان المخدرات وعدم احترام الأخلاق العامة…

 لكن موجة النزوح إلي الجهاد الأفغاني قذفت به إلي بشاور نهاية الثمانينات حيث التقي بالمؤسسين الأوائل لتنظيم القاعدة وقد ظلت علاقة الزرقاوي بتنظيم القاعدة ومؤسسه أسامة بن لادن ملتبسة منذ تلك الفترة إلي غايته مقتله سنة 2006 في العراق.

بعد رجوعه من أفغانستان نشط الزرقاوي في التنظيمات الجهادية التي كانت تتكاثر في الأردن بوتيرة كبيرة وقد سجن في منتصف التسعينات على خلفية ما عرف بتنظيم البيعة، وفي السجن ظهرت شخصية الزرقاوي القيادية حيث استطاع أن يشكل مجموعته الخاصة، وفي استمرار لتقدم أصحاب السوابق للصفوف داخل التنظيمات الجهادية استطاع الزرقاوي أن يسحب البساط من شيخه المسمي أبو محمد المقدسي.

خرج الزرقاوي بعفو ملكي من السجن وبعد فترة قصيرة في أفغانستان حيث أسس تنظيمه الخاص “التوحيد والجهاد” دخل العراق في سنة 2001 في ظروف غامضة قبل أن تأتيه جائزته الكبرى باحتلال الولايات المتحدة للعراق في ربيع 2003.

مثل احتلال العراق فرصة لا يمكن تخيلها لتنظيم الزرقاوي إذ سرعان ما نشط في المدن السنية التي تأذت بشكل كبير من قرار حل الجيش والأجهزة الأمنية والاستخبارتية وقد وفرت القرارات الطائشة التي أصدرتها سلطة الاحتلال الأمريكي لتنظيم الزرقاوي كنزا لا ينفد من الكوادر العسكرية والأمنية المدربة والعاطلة عن العمل.

وبعبقرية شريرة اكتشف الزرقاوي منذ البداية أن الأجواء الطائفية المشحونة هي فرصته لإدخال العراق في جحيم لا ينتهي وضمان لكسب حاضنة سنية تمكنه من العمل في مساحات جغرافية واسعة ودعم لوجستي، في حرب أهلية ستستمر لعدة سنوات.

تعددت أسماء التنظيم دون أن يعني ذلك أي تغيير في عقيدته أو أساليبه، فبعد “التوحيد والجهاد” و”مجلس شوري المجاهدين” تبناه تنظيم القاعدة مكرها وحمل اسم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” قبل أن يستقل مرة أخري عن تنظيم القاعدة حاملا اسم “دولة العراق الإسلامية” تحت قيادة خليفة الزرقاوي الأول أبو عمر البغدادي.

شن الزرقاوي حربا لا محرمات فيها، وبمقابل فتوى عموم الردة التي أصدرها عنتر الزوابري في الجزائر أصدر الزرقاوي فتواه بجواز قتل عموم الشيعة أما المرجعيات الفكرية فلم يعد الزرقاوي يلقي لها بالا، حيث أصبح الزرقاوي مرجعا لنفسه ولأتباعه، وأضحت رسائل شيخه السابق أبو محمد المقدسي وقائده المفترض أيمن الظواهري محلا للتندر و أمثلة تدل على قلة العلم و قصور المعرفة بفقه النوازل.

تشكل إذن في العراق تنظيم تكفيري موغل في الدماء بدون مرجعية فكرية واضحة يشبه كثيرا الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، إلا أنه يفوقها من حيث الأعضاء والإمكانيات ويقوم علي كوادر بعثية لا تنقصها الخبرة والوحشية، أما الالتزام الديني فلم يعد مطلوبا أصلا لتنظيم كهذا.

بعد مقتل الزرقاوي في يونيو سنة 2006في غارة أمريكية، خلفه المدعو أبو عمر البغدادي قبل أن يقتل هو الآخر مع وزير حربه أبو حمزة المهاجر في شهر ابريل 2010، لتؤول قيادة التنظيم إلى الزعيم الحالي ابوبكر البغدادي.

و قد شكل ظهور ما بات يعرف ب “الصحوات” أول تحد حقيقي لتنظيم الزرقاوي فقد ظهرت “الصحوات” في نفس المناطق التي كانت تعتبر معاقل حصينة للتنظيم قبل أن تُلحق خطة زيادة القوات التي نفذها ديفيد بترايوس هزيمة ساحقة للتنظيم في خريف 2008.

منح “الربيع العربي” فرصة ثانية لا تقدر بثمن للتنظيم التكفيري، فبينما كان التنظيم يعيش حالة انكماش كبيرة في العراق اندلعت موجة اقتتال داخلي في سوريا كانت هي ما يحتاجها التنظيم.

فقد انتقل التنظيم بسرعة إلي سوريا التي مثلت مغناطيسا لكل الحركات الجهادية في العالم، وبعد انفصال جبهة النصرة عنه إثر محاولة يائسة من أيمن الظواهري للسيطرة علي الدولة الإسلامية بزعامة ابوبكر البغدادي أعلن الأخير قيام دولته في العراق والشام.

 تحول تنظيم داعش وبسرعة إلى التنظيم الأكبر بين كل الجماعات التي انتشرت في سوريا مدعوما بتواجد قوي في العراق مكنه من إعلان خلافته بعد سيطرته علي مدينتي الرقة والموصل، لكن يبقي العامل الأساسي الذي استمد منه التنظيم قوته هو الروافد الاجتماعية التي زودت التنظيم بكم هائل من المقاتلين والكوادر، وقد أصبح جميع المنحرفين المسلمين في الدول الغربية مقاتلين محتملين في التنظيم، وهي حقيقة بدأت الدول الأوروبية تتنبه لها متأخرة،حيث برهن هذا التنظيم علي قدرته في تجنيد تركيبات نفسية واجتماعية معينة بسهولة منقطعة النظير، ففي كثير من الأحيان تبين أن أعضاء التنظيم في هذه البئات لا يستغرق بعضهم إلا بضعة أيام ليتحول من لص ومدمن مخدرات إلي انتحاري يفجر نفسه في الأبرياء آملا في الجنة ونعيمها.

داعش إذن ليست إلا تطورا لانحراف فكري وسلوكي في المجتمع الإسلامي، بدأ مبكرا مع ظهور الخوارج وأنتهي اليوم بظهور داعش، بدأ مع الخوارج الذين كانوا يكفّرون بالصغائر وأنتهي بداعش التي يقودها أصحاب الكبائر.

لكن هذه الظاهرة لم تحظي حتى الآن بالدراسة الكافية بسبب التربح السياسي لللوبيات المسيطرة علي الفكر والإعلام، ولكي يتضح مدي سطحية الدراسات التي أنتجت في هذا المجال يمكن ملاحظة الكم الصادر من الأبحاث الدراسات حين تقوم بربط الإرهاب بالفقر أو الاستبداد مثلا، دون مراعاة من أصحاب تلك الدراسات للجوانب العقدية و النفسية التي تشكل بحسب اعتقادنا أهم الأسس و المنطلقات لفهم هذه الظاهرة المؤرقة.

*مراجع تاريخية وثقافية

البداية والنهاية لابن كثير

تاريخ الطبري

الملل والنحل للشهرستاني

الحشاشون/ برنارد لويس

أرشيف الأهرام المصرية

الإخوان.. وأنا/ فؤاد علام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: