قراءة في كتاب “الرايات السود” .. ملاحقة القاعدة من الداخل

الرايات السود- على صوفان
0

يحتوي الكتاب على كمية هائلة من الأسرار عن تنظيم القاعدة منذ نشأته وبداية تنفيذه لعمليات ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كما يختزن قدراً لا بأس به من فضائح إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وفق سياق مترابط يصيغه أحد أفضل محققي مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكي FBI الذي كان في قلب كل الأحداث.

تبدأ قصة الكاتب علي صوفان مع مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكي برهان بينه وبين زملائه إن كان يستطيع أن ينضم إلى جسم هذا الجهاز المعروف عالمياً بعمليّاته الدقيقة والخطيرة. وتنتهي القصة به مستقيلاً قبل أن يحين وقت هذه الاستقالة، وذلك لاعتبارات عدة، منها الضربات القاسية التي تلقّتها جهوده في مكافحة الإرهاب والتحقيق مع أخطر شخصيات تنظيم القاعدة من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، لكنّ الرحلة هذه لم تكن لتنتهي قبل البدء بتدريس النظريّة الخاصة بهذا الرجل في عالم التحقيقات.

تتلخّص أهم الرسائل التي يريد صوفان أن يوصلها إلى كل من يهمّه الأمر، في كتابه “الرايات السود”، بأنّ التحقيق مع المشتبه بهم، وخاصة أولئك الأكثر خطورة، يجب أن يعتمد على الأساليب الذكية، مثل التفوّق على ذكائهم، واللعب على نقاط ضعفهم الشخصية، وكسب صداقتهم من خلال الحديث إليهم بلطف وإسداء بعض الخدمات لهم من أجل كسب ثقتهم، وذلك بدل اعتماد وسائل التعذيب أو “تقنيّات التحقيق المعززة” أو “تقنيات الاستجواب التعسّفية” التي يجهد صوفان في كتابه ذي الـ700 صفحة أن يثبت عجزها عن تحقيق أية نتائج.

علي صوفان

صوفان، على سبيل المثال، تفوّق على أحد المطلوبين في المعرفة الدينية، واستغلّ حقد موقوف آخر على تنظيم القاعدة لأن التنظيم لم يعطه مالاً ليُعالج زوجته، ولجأ أحياناً إلى جعل من يستجوبهم يظنّون أنه لا يعرف شيئاً عنهم من أجل أن يثبت لهم لاحقاً أنه قادرٌ على كشفهم عندما يكذبون، هكذا يتمكّن من دفعهم إلى قول الحقيقة في التفاصيل التي لا يعلم عنها شيئاً، كما أثبت لآخر حسن نيّته واختلافه عن محققي الـ CIAمن خلال السماح له بالاتصال بزوجته والاطمئنان عليها. كل ذلك سمح لصوفان بتسجيل رصيد كبير جعل من اسمه علامة فارقة في تاريخ صراع بلاده مع تنظيم القاعدة.

يفرّق محقق الـ FBI البارز بين “الإذعان” و”التعاون” بالنسبة للذين يتم التحقيق معهم، فالإذعان هو قول ما يريد المحقق أن يسمعه، أي الكذب من أجل التخلّص من التعذيب. أما التعاون فهو قول الحقيقة والمعلومات المفيدة التي يمكن من خلالها تعطيل الكثير من المؤامرات الخطيرة.

“نظريّة علي صوفان” هذه باتت تُدرّس في الكليّات الأمريكية اليوم، وذلك بعد سنوات كثيرة من التجربة مع أخطر مطلوبي تنظيم القاعدة حول العالم، من اليمن إلى باكستان إلى أفغانستان إلى بريطانيا والولايات المتحدة.

محمد العوهلي .. عندما لم يفجر نفسه

عندما سُئل علي صوفان عن الزمن الذي يجب أن يعود إليه المرء من أجل أن يفهم جيّداً تنظيم القاعدة، أشار إلى عام 1979. ففي رأي صوفان، هذا العام الذي حمل معه اجتياح السوفيات لأفغانستان من جهة، والثورة الإيرانية التي نُظر إليها على أنها انتصار للشيعة في المنطقة من جهة أخرى، بالإضافة إلى معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، كلُّ ذلك دفع بأسامة بن لادن ورفاقه وكل من يتناغم مع الفكر المتشدد إلى التوجّه نحو أفغانستان من أجل القتال، ثم ما لبث الأمر أن تطوّر إلى تشكيل تنظيم “القاعدة”، أو “قاعدة الجهاد” بعد أن تم دمج تنظيم “القاعدة” مع تنظيم “الجهاد الإسلامي” المصري بقيادة أيمن الظواهري.

يفصّل الكتاب انطلاقاً من هذه الخلفية الكثير من العمليّات التي خطط لها بن لادن ورفاقه، بدءاً من الهجوم على السفارتين الأمريكيّتين في نيروبي (كينيا) ودار السلام(تنزانيا) عام 1998.

وفي هذه القضية، يظهر خالد سليم بن رشيد، الذي اعترف لاحقاً أنه في الحقيقة يُدعى محمد العوهلي وبهويّته السعودية، كأحد أهم الخيوط التي أدت إلى تفكيك ألغاز ما جرى في هجوم السفارتين.

الرجل الذي تم إلقاء القبض عليه بعد اتصال جرى بمكتب التحقيقات من قبل مجهول أخبر عن رجل ظهر بحالة مشبوهة في نيوربي، كان من المقرّر له أن يفجّر نفسه خلال العملية، وذلك تمهيداً لتقدّم انتحاري آخر باتجاه السفارة الأمريكية هناك، هو جهاد علي.

بحسب الرواية التي ينقلها صوفان والمستندة إلى ما قاله المواطن السعودي في التحقيقات، فإن العوهلي بعدما رمى قنبلة صوتية على أحد مداخل السفارة الأمريكية، تمكّن علي من التقدّم بطريقة ما وأصبح قريباً بما يكفي من السفارة، وذلك من دون أن يفجّر العوهلي نفسه، لذلك قرّر أن ينسحب لأن تفجير نفسه بهذه الحالة سيُعتبر مجرّد انتحار خارج عن سياق الخطة المرسومة. وأثناء انسحابه، فجّر علي نفسه، فسقط العوهلي جريحاً، لينتهي به الأمر بعد ساعات بين أيدي الأمريكيين.

المدمرة كول

المدمرة الأمريكية كول

في “الرايات السود” الكثير من التفاصيل المباشرة عن العملية التي استهدفت المدمّرة الأمريكية “يو أس أس كول” على شاطئ عدن. يروي صوفان أن تلك العملية لم تكن تستهدف في البداية “يو أس أس كول” بالذات، بل سفينة أخرى، لكن بعض الظروف التي فرضت على أعضاء القاعدة تأجيل العملية دفعتهم إلى تغيير الهدف.

تتبّع محقق الـ FBIالقصة من جميع خيوطها، وهو الذي كان من أبرز العاملين على هذه القضية في اليمن. كانت تقديرات صوفان حينها منذ البداية بأن تنظيم القاعدة يقف خلف ما حصل، لكنّه واجه في إثبات ذلك أمرين: الأول، هو رغبة الرئيس اليمني آنذلك علي عبد الله صالح بتوجيه الاتهام إلى الموساد الإسرائيلي أو القول إن ما حصل هو حادث عرضيّ وليس عملاً إرهابياً. الثاني، هو عدم رغبة البيت الأبيض، حيث كان الرئيس بوش الإبن حديث العهد داخله، بالربط بين “القاعدة” واستهداف المدمّرة الأمريكية.

في هذا الإطار، جاء في كتاب صوفان أن أحد المسؤولين في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي قال له الآتي: “أقول لكم الحقيقة بأننا لا نتفق مع البيت الأبيض في هذه القضية، لكنهم لا يريدون الربط ما بين بن لادن وبين يو أس أس كول. إن موقف الرئيس ضعيف في هذه الأوقات. (كان بوش قد فاز على منافسه آل غور بفارق ضئيل بعد عملية فرز ثانية للأصوات والكثير من الجدل) إن البلاد غير متحدة وراءه، ولا تزال منقسمة بشأن انتصاره في الانتخابات ضد آل غور. إنه ليس على استعداد للمخاطرة برأسماله في التأييد بمهاجمة القاعدة في أفغانستان، والتسبب بزيادة الانقسام في البلاد. لكن إذا أُعلن على الملأ أن الهجوم على كول من مسؤولية القاعدة فإنه سوف يبدو في موقف الضعف في ما يتعلّق بالأمن القومي إذا لم يتحرّك. يعني ذلك أن البيت الأبيض لا يريد إلقاء اللوم على القاعدة في ما يتعلّق بالهجوم على كول”.

هكذا إذا، وبحسب صوفان، قرّرت واشنطن عدم تحميل “القاعدة” مسؤولية ما حصل على شاطئ عدن، وهو أمر يذكّر به الكاتب عندما يكشف عن اعترافات أحد الموقوفين، الذي قال إن عدم رد الولايات المتحدة بجدية على استهداف المدمرة “كول” هو ما دفع بأسامة بن لادن للتخطيط لعملية أكبر، يُراد من خلالها لفت انتباه الولايات المتحدة من أجل أن تصبح الصورة في العالم واضحة، بأن هناك حرباً بين “القاعدة” والدولة الكبرى المتهمة بالاعتداء على المسلمين، ممّا سيمكّن بن لادن من تجنيد الكثير من الشباب من الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى إقناع الكثير من المتبرّعين بدعم التنظيم مالياً.

وليد بن عطاش أو خلّاد، عبد الرحيم النشيري، جمال البدوي، معاوية المدني، حسين البدوي، خالد الشيخ محمد، وعلي البهلول، كلها أسماء تدور في حبكة قصة استهداف المدمرة الأمريكية، وفي هجمات أخرى مترابطة تمكّن صوفان من العمل في التحقيقات التي حاول من خلالها الأمريكيون الكشف عن منفذيها ومخططيها.

المدمرة كول

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: