قصة ليست من الخيال..!! بل من أرض الغوطة الشرقية

0

اليوم هو اليوم السادس من التوقيت الدموي لحملة إبادة نصف مليون محاصر في غوطة دمشق الشرقية.

عمران….. ربع حياته قضاها مع اهوال قيامة الغوطة المستمرة رغم دجل وكذب هدنة فشل قادة العالم كلهم بانجاحها ووقف تلك المجازر اليومية بحق الابرياء.

عمران… رضيع لم يتجاوز عمره الأربعين يوما..
في لحظة واحدة، وبرميل واحد، سقط من نفس السماء التي أظلت رؤساء الأرض المجتمعين البارحة لإقرار مجرد هدنة تنقذ ما تبقى من انسانيتهم..!!
فقد عمران أسرته كلها بذلك البرميل وبتلك اللحظة…

أحضروه لنقطة الجراحة ليس لانه مصاب بجسده بل لانه مصاب بكل حياته..
امه وأبوه وبيته وحيه.. ولا مكان يذهبون به بعد أن أخرجوه من تحت أنقاض بيته.

تحلقنا حوله جميعاً ونحن نستمع إلى صرخاته وبكائه والكل لايدري ما العمل …!!!

وضعناه على أسرة الجرحى وجرحه اكبر من كل وطنهم، وعدنا الى وطننا المكلوم بالعشرات من أبنائه..

وبين العمل والجراحات واستقبال الأسر التي تراجعنا من تحت جدران بيوتها ولكل قصته المرعبة عن تلك البراميل السوداء سواد من القاها من مروحية السماء..
نسينا عمران ونسينا انفسنا ولم يوقظنا إلا صوته من بعيد يملأ القاعات بالبكاء وأخبرتنا الممرضة أنه حتما جائع ويحتاج للحليب..

وأي حليب ومن أين نحضره..!! والسماء تمطر حمماً والأرض تشتعل نيراناً.. وقادة العالم ينتظرون وحوش السماء لتستكمل مهمتها في قتل الابرياء…!!

بحثنا عن القليل من الحليب لم نجد..
أخبرونا أن نشربه سيروم سكري عله يفيد بهذه الظروف ففعلنا لكنه رفضها، وضعناها برضاعة الحليب الفارغة فلم يرضعها، واستمر بالبكاء.

أسقط في أيدينا وبين النقاش بأن نفتح له وريدا لتغذيته ريثما نؤمن له حليباً او ان نركب له أنبوباً أنفياً معدياً لتغذيته.. وإذ أخبرونا عن أسرة ثانية مصابة حضرت لتوها.

ركضنا تجاههم لإسعافهم.. الأم فريال فقدت زوجها ورضيعها وابنها وكامل طرفها الأيمن، وخلال وقت قصير استطعنا ايقاف نزيف طرفها الأيمن المبتور وإغلاق جذموره الذي أبقاه لها قادة العالم المجتمعين،
وعدنا لطفلنا ، وبكاؤه يقطع قلوب كل من يسمعه وياليت صوته يصل لاسماع العالم الميت..!

فخطرت ببال أحد زملائنا فكرة لم تسعفنا الدماء التي غطت اجساد المراجعين ان نتذكرها.. فريال التي خسرت كل شئ مازالت قادرة على أن تقدم شيئا لهذا الرضيع… نعم ….

إنه حليب ابنها الشهيد المحتقن في صدرها المدمى!!!
وبلا تفكير دخلت الممرضات إلى قاعة الاستشفاء المغلقة وقاموا بمسح الدماء عن صدرها الطاهر ووضعوا عمران بجنبها.

وما هي إلا لحظات حتى خبأ صوته وهو يلتقم حليبها وشعرت حينها أن السكون عم كل الدنيا.

لم أعد اسمع صوت البراميل ولا هدير الطائرات ولا عبارات الشجب في أروقة مجلس الامن.. لم أعد اسمع صرخات الأمهات والجرحى والمصابين..

شعرت أن الحليب الطاهر الذي أسكت الطفل اليتيم أقوى من كل قادة العالم وملوكه المجتمعين ليلتها.

أخبرتنا الممرضات أن الام التي ما أفاقت من غيبوبتها ضمت الطفل بكلتا ذراعيها وسكنت آلامها بمجرد أن وضعوه على صدرها..!!

نعم أيها العالم وقادته وملوكه والبشر القاطنون فوقه..
نعم أيتها الإنسانية التي حدثونا أنك موجودة في قلوب ما تبقى من البشر..
نعم.. ذلك الحليب الذي خرج من بين تلك الجروح والدماء والركام انقذ عمران وفشلتم كلكم في إنقاذه.

قتلتموه.. سمحتم للبراميل المتساقطة من السماء أن تفتك بأسرته..
وقتلتم فريال عندما أشحتم بوجوهكم عن انسانيتكم وتركتم تلك المجازر تتكرر في كل ساعة في غوطة دمشق.

وأنا الآن أقف أمام عمران وقد ارتوى بذلك الحليب، وأغمض عينه لينام.

أسالكم واستحلفكم بكل ما هو مقدس في معتقداتكم لماذا!!!؟
لماذا تسمحون بقتل كل هؤلاء الابرياء امام شاشاتكم..!!!!
ماذا سوف تقولون لأبنائكم عندما يكتب تاريخ الأرض عن تلك المجازر!!!
كيف لكم ان تنظروا في وجه شعوبكم؟؟
ألم يكتب تاريخ الارض عن مجازر البوسنة وراوندا وكوسوفو
لماذا تسمحون بنفس المجازر على شاشاتكم!!؟

مالذي فعله عمران وفريال!!!
هل سرقوا من نفطكم !!!
هل نافسوكم على ثرواتكم!!!!!
كل ما أرادوه حياة كريمة أنتم من ادعيتم انها شعار حضارتكم

لذلك لا تنقذوا الغوطة..
بل انقذوا حضارتكم وانسانيتكم

بقلم الدكتور:: حسام عدنان

الطبيب بدوما بالغوطة الشرقية

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: