محمود شاكر يرد على “قطب” في سب الصحابة.. ” لا تسبُوا أصحَابي”

سيد قطب - محمود شاكر
0

كتب الأستاذ محمود شاكر أبو فهر في مجلة المسلمون العدد الثالث، 1371 هـ/ 1952، ص: 246 – 255 مقالاً يرد فيه على الأستاذ سيد قطب في سبه عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نعيد نشر المقال لما فيه من فائدة


مقدمة في فضل الصحابة

حسبُ امرئ مسلم لله أن يبلغه قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا تسبُّوا أصحابى! لا تسبُّوا أصحابى! فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفقَ مثل أحُد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه” (1)، حتى يخشع لربّ العالمين، ويسمع لنبيّ الله ويطيعُ، فيكفّ غَرْب (2) لسانه وضراوة فكره عن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم -، ثم يعلم علمًا لا يشوبه شكٍّ ولا ريبةٌ، أن لا سبيل لأحد من أهل الأرض، ماضيهم وحاضرهم، أن يلحق أقلَّ أصحابه درجة، مهما جهد في عبادته، ومهما تورّع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سرّه وعلانيته. ومن أين يشك وكيف يطمعُ، ورسول الله لا ينطقُ عن هَوًى، ولا يداهنُ في دينٍ، ولا يأمرُ الناس بما يعلم أن الحقّ في خلافه، ولا يحدّث بخبر، ولا ينعتُ أحدًا بصفة، إلا بما علمه ربه وبما نبأه؟ وربه الذي يقول له ولأصحابه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}. [سورة الزمر: 33: 35].

ثم يبين – صلى الله عليه وسلم – عن كتاب ربه فيقول: “خير الناس قَرْنى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته”. ثم يزيد الأمر بيانًا – صلى الله عليه وسلم -، فيدل المؤمنين على المنزلة التي أنزلها الله أصحاب محمد رسول الله، فيقول: “يأتي على الناس زمانٌ، فيغزو فئامٌ من (3) الناس فيقولون: فيكم مَن صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فِئَامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ مَن صاحب أصحابَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم”. فإذا كان هذا مبلغ صحبة رسول الله، فأي مسلم يطيق بعد هذا أن يبسط لسانه في أحد من صحابة محمد رسول الله؟ وبأي لسان يعتذر يوم يخاصمونه بين يدي ربهم؟ وما يقول وقد قامت عليه الحجة من كتاب الله ومن خبر نبيه؟ وأين يفر امرؤ من عذاب ربه؟

وليس معنى هذا أن أصحاب محمد رسول الله معصومون عصمة الأنبياء، ولا أنهم لم يخطئوا قط ولم يسيئوا، فهم لم يدّعوا هذا، وليس يدّعيه أحدٌ لهم. فهم يخطئون ويصيبون، ولكنّ الله فضّلهم بصحبة رسوله، فتأدبوا بما أدَّبهم به، وحرصوا على أن يأتوا من الحق ما استطاعوا، وذلك حسبهم، وهو الذي أمروا به، وكانوا بعدُ توَّابين أوَّابين كما وصفهم في محكم كتابه. فإذا أخطأ أحدهم، فليس يحلُّ لهم، ولا لأحد ممن بعدهم، أن يجعل الخطأ ذريعةً إلى سبهم والطعن عليهم. هذا مجمل ما أدبنا به الله ورسوله. بيد أن هذا المجمل أصبح مجهولا مطروحًا عند أكثر من يتصدى لكتابة تاريخ الإسلام من أهل زماننا، فإذا قرأ أحدهم شيئا فيه مطعنٌ على رجل من أصحاب رسول الله سارع إلى التوغل في الطعن والسبِّ، بلا تقوى ولا ورع. كلا، بل تراهم ينسوْن كل ما تقضى به الفطرة من التثبت من الأخبار المروية، على كثرة ما يحيط بها من الريب والشكوك، ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار، ومن العلل الدافعة إلى وضع الأحاديث المكذوبة على هؤلاء الصحابة.

ولن أضرب المثل بما يكتبه المستشرقون ومن لف لفهم فهم كما نعلم. ولا بأهل الزيغ والضلال والضغينة على أهل الإسلام، كصاحب كتاب الفتنة الكبرى (4) وأشباهه من المؤلفين. بل سآتيك بالمثل من كلام بعض المتحمسين (5) لدين ربهم، المعلنين بالذبّ عنه والجهاد في سبيله. لتعلم أن أخلاق المسلم هي الأصل في تفكيره وفي مناهجه وفي علمه، وأن سمة الحضارة الوثنية الأوربية، تنفجر أحيانًا في قلب من لم يحذر ولم يتق، بكل ضغائن القرن العشرين وبأسوأ سخائم هذه الحضارة المتعدية لحدود الله التي كتب على عباده -مسلمهم وكافرهم- أن لا يتعداها.

قطب يسب أربعة من أصحاب رسول الله

أربعة من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: هم أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وهند بنت عتبة بن ربيعة، أم معاوية. -رضي الله عنهم- كيف يتكلم أحد الناس عنهم.

1 – “فلما جاء معاوية، وصيَّر الخلافة الإسلامية مُلكا عضوضًا في بني أميّة، لم يكن ذلك من وحي الإسلام، إنما كان من وَحْى الجاهلية” ولم يكتفِ بهذا بل شمل بني أمية جميعًا فقال: “فأمية بصفة عامة لم يَعْمر الإيمان قلوبَها وما كان الإسلام لها إلا رداء تخلعه وتلبَسُه حسب المصالح والملابسات”.

2 – ثم يذكر يزيد بن معاوية بأسوأ الذكر ثم يقول: “وهذا هو “الخليفة” الذي يفرضه معاوية على الناس، مدفوعًا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؛ دافع العصبية العائلية القبلية. وما هي بكثيرة على معاوية ولا بغريبة عليه. فمعاوية هو ابن أبي سفيان. وابن هند بنت عتبة، وهو وريث قومه جميعًا وأشبه شيء بهم في بُعد روحه عن حقيقة الإسلام. فلا يأخذ أحدٌ الإسلام بمعاوية أو بني أمية، فهو منه ومنهم برئ”.

3 – “ولسنا ننكر على معاوية في سياسة الحكم ابتداعه نظام الوراثة وقهر الناس عليها فحسب، إنما ننكر عليه أولا وقبل كل شيء إقصاءه العنصر الأخلاقى، في صراعه مع على، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك، إقصاءً كاملا لأول مرة في تاريخ الإسلام. . . فكانت جريمة معاوية الأولى، التي حطمت روح الإسلام في أوائل عهده هي نفي العنصر الأخلاقى من سياسته نفيًا باتًّا. ومما ضاعف الجريمة أن هذه الكارثة باكرت الإسلام ولم تنقض إلا ثلاثون سنة على سُننه الرفيعة. . . ولكى ندرك عمق هذه الحقيقة يجب أن نستعرض صورًا من سياسة الحكم في العهود المختلفة على أيدي أبي بكر وعمر، وعلى أيدي عثمان ومروان. . . ثم على أيدي الملوك من أمية. . . ومن بعدهم من بني العباس، بعد أن خُنقت روح الإسلام خنقًا على أيدي معاوية وبنى أبيه”.

4 – “ومضى على إلى رحمة ربه، وجاء معاوية بن هند وابن أبي سفيان! ” (وأنا أستغفر الله من نقل هذا الكلام، بمثل هذه العبارة النابية فإنه أبشع ما رأيته! ) ثم يقول: “فلئن كان إيمان عثمان وورعه ورقته، كانت تقف حاجزًا أمام أمية .. لقد انهار هذا الحاجز، وانساح ذلك السد، وارتدّت أمية طليقة حرة إلى وراثاتها في الجاهلية والإسلام. وجاء معاوية، تعاونه العصبة التي على شاكلته، وعلى رأسها عمرو بن العاص. قوم تجمعهم المطامع والمآرب، وتدفعهم المطامح والرغائب، ولا يمسكهم خلق ولا دين ولا ضمير” (وأنا أستغفر الله وأبرأ إليه). ثم قال: ولا حاجة بنا للحديث عن معاوية، فنحن لا نؤرخ له هنا، وبحسبنا تصرفه في توريث يزيد الملك، لنعلم أي رجل هو. ثم بحسبنا سيرة يزيد لنقدّر أية جريمة كانت تعيش في أسلاخ أمية على الإسلام والمسلمين”.

5 – ثم ينقل خطبة يزعم أنها لمعاوية في أهل الكوفة بعد الصلح يجئ فيها قول معاوية: “وكل شرط شرطته، فتحت قدميّ هاتين” ثم يعقب عليه مستدركا: “والله تعالى يقول: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} والله يقول: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} فيؤثر الوفاء بالميثاق للمشركين المعاهدين، على نصرة المسلمين لإخوانهم في الدين. أما معاوية فيخيس بعهده للمسلمين، ويجهر بهذه الكبيرة جهرة المتبجحين! .. إنه من أمية، التي أبت نحيزتها أن تدخل في حلف الفضول! “.

6 – ثم يذكر خطبة أخرى لمعاوية في أهل المدينة: “أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم” ثم يعلق عليها فيقول: “أجل ما وليها بمحبة منهم. وإنه ليعلم أن الخلافة بيعة الرضى في دين الإسلام. ولكن ما لمعاوية وهذا الإسلام .. وهو ابن هند وابن أبي سفيان! “.

7 – “وأما معاوية بعد عليّ، فقد سار في سياسة المال سيرته التي ينتفي منها العنصر الأخلاقيّ، فجعله للرُّشى واللهى وشراء الأمم في البيعة ليزيد، وما أشبه هذه الأغراض، بجانب مطالب الدولة والأجناد والفتوح بطبيعة الحال”.

8 – ثم قال شاملا لبنى أمية: “هذا هو الإسلام، على الرغم مما اعترض خطواته العملية الأولى، من غلبة أسرة لم تعمرْ روحُ الإسلام نفوسها. فآمنت على حرف حين غَلب الإسلام، وظلّت تحلم بالملك الموروث العضوض حتى نالته، فسارت بالأمر سيرة لا يعرفها الإسلام”.

هذا ما جاء في ذكر معاوية، وما أضفى الكاتب من ذيوله على بني أمية، وعلى عمرو بن العاص. وأما ما جاء عن أبي سفيان بن حرب فانظر ماذا يقول:

9 – “أبو سفيان هو ذلك الرجل الذي لقى الإسلام منه والمسلمون ما حفلت به صفحات التاريخ، والذي لم يسلم إلا وقد تقررت غلبة الإسلام. فهو إسلام الشفة واللسان، ولا إيمان القلب والوجدان. وما نفذ الإسلام إلى قلب ذلك الرجل قطّ، فلقد ظلّ يتمنى هزيمة المسلمين ويستبشر لها في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، بينما يتظاهر بالإسلام. ولقد ظلت العصبية الجاهلية تسيطر على فؤاده. . . وقد كان أبو سفيان يحقد على الإسلام والمسلمين، فما تعرض فرصة للفتنة إلا انتهزها. .”

10 – “ولقد كان أبو سفيان يحلم بملِك وراثى في بني أمية منذ تولى الخلافة عثمان فهو يقول: “يا بني أمية. . . تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة! “. وما كان يتصوَّر حكم المسلمين إلا ملكا حتى في أيام محمد، (وأظن أنا أنه من الأدب أن أقول: – صلى الله عليه وسلم -)، فقد وقف ينظر إلى جيوش الإسلام يوم فتح مكة، ويقول للعباس ابن عبد المطلب: “والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك أليوم عظيما”، فلما قال له العباس. إنها النبوّة! قال: نعم إذن! . . .

“نعم إذن! وإنها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان”.

ثم يقول عن هند بنت عتبة أم معاوية.

11 – “ذلك أبو معاوية. فأما أمه هند بنت عتبة، فهي تلك التي وقفت يوم أحد، تلغ في الدم إذ تنهش كبد حمزة كاللبؤة المتوحشة، لا يشفع لها في هذه الفعلة الشنيعة حق الثأر على حمزة، فقد كان قد مات. وهي التي وقفت بعد إسلام زوجها كرها بعد إذ تقررت غلبة الإسلام تصيح. “اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه. قُبّح من طليعة قوم! هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ “.

التعليق

هؤلاء أربعة من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، يذكرهم كاتب مسلم، بمثل هذه العبارات الغريبة النابية! بل زاد، فلم يعصم كثرة بني أمية من قلمه، فطرح عليهم كلّ ما استطاع من صفات تجعلهم جملة واحدة، برآء من دين الله؛ ينافقون في إسلامهم، وينفون من حياتهم كل عنصر أخلاقى! كما سماه. وأنا لن أناقش الآن هذا المنهج التاريخى، فإن كلّ مدع يستطيع أن يقول: هذا منهجى، وهذه دراستى. بل غاية ما أنا فاعل أن أنظر كيف كان أهل هذا الدين، ينظرون إلى هؤلاء الأربعة بأعيانهم، وكيف كانوا -هؤلاء الأربعة- عند من عاصرهم ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم. وأيضًا فإني لن أحقق في هذه الكلمة فساد ما بُنى عليه الحكم التاريخيّ العجيبُ، الذي استحدثه لنا هذا الكاتب، بل أدعه إلى حينه.

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم

فمعاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه -، أسلم عام القضية؛ ولقى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مسلمًا؛ وكتم إسلامه من أبيه وأمه. ولما جاءت الردة الكبرى؛ خرج معاوية في هذه القلة المؤمنة التي قاتلت المرتدّين؛ فلما استقر أمرُ الإسلام وسير أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان – رضي الله عنه -. فلما مات يزيد في زمن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال لأبى سفيان: أحسن الله عزاءك في يزيد. فقال أبو سفيان. من ولّيت مكانه؟ قال. أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. وبقى معاوية واليا لعمر على عمل دمشق. ثم ولاه عثمان الشام كلها؛ حتى جاءت فتنة مقتل عثمان؛ فولى معاوية دم عثمان لقرابته؛ ثم كان بينه وبين على ما كان.

ويروى البخاري: (5: 28) أن معاوية أوتر بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه صحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. وقال في خبر آخر: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه أوتر بواحدة، فقال ابن عباس: إنه فقيه. وروى أحمد في مسنده (4: 102) عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قصر شعره بمشقص (6). فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية! فقال: ما كان معاوية على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متهمًا. وعن أبي الدرداء: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أشبه صلاة برسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أميركم هذا يعني معاوية (مجمع الزوائد 9: 357). وروى أحمد في مسنده (4: 101) عن أبي أمية عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده أن معاوية أخذ الإداوة (7) بعد أبي هريرة يتبع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بها، واشتكى أبو هريرة، فبينا هو يوضئ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رفع رأسه إليه مرة أو مرتين فقال: يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله -عزّ وجل- واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى ابتُليتُ. وروى أحمد في مسنده (4: 127) عن العرباض بن سارية السلمى قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلموا إلى الغداء المبارك! ثم سمعته يقول: اللهمّ علم معاوية الكتاب والحساب وقِه العذاب. وروى أحمد في مسنده (4: 216) عن عبد الرحمن ابن أبي عميرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه ذكر معاوية فقال: “اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهد به”.

هذا بعض ما قيل في معاوية – رضي الله عنه -، وفي دينه وإسلامه. فإن كان هذا الكاتب قد عرف واستيقن أن الروايات المتلقفّة من أطراف الكتب تنقض هذا نقضا حتى يقول إنّ الإسلام برئ منه، فهو وما عرف. وإن كان يعلم أنه أحسنُ نظرًا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولّى يزيد بن أبي سفيان، وهو من بني أمية، وأنفذ بصرًا من عُمرَ حين ولّى معاوية. فهو وما علم! وإن كان يعلم أنّ معاوية لم يُقاتل في حروب الردّة، إلّا وهو يضمر النفاق والغدر، فله ما علم. وإن كان يرى ما هو أعظمُ من ذلك؛ أنه أعرف بصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، من رسول الله الذي كان يأتيه الخبر من السماء بأسماء المنافقين بأعيانهم، فذلك ما أعيذه مِنهُ أن يعتقده أو يقوله. ولكن لينظر فرق ما بين كلامه وكلام أصحاب رسول الله عن رجل آخر من أصحابه، ثم ليقطع لنَفسه ما شاء من رحمة الله أو من عذابه. ولينظر أيهما أقوى برهانًا في الرواية هذا الذي حدثنا به أئمة ديننا، أم ما انضمَّت عليه دفَّتا كتاب من عُرْض كتب التاريخ، كما يزعمون. ولينظر لنفسه حتى يرجّح رواية على رواية، وحديثًا على حديث، وخبرًا على خبر، وليعلم أن الله تعالى أدّب المسلمين أدبًا لم يزالوا عليه منذ كانت لدين الله الغلبة، حتى ضرب الله على أهل الإسلام الذّلة بمعاصيهم وخروجهم عن حدّ دينهم، واتباعهم الأمم في أخلاقها وفي فكرها وفي تصورّها للحياة الإنسانية. يقول ربُّنا سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} ويقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ويقول {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. ولينظر أنّى له أن يعرف أن معاوية كان يعمل “بوحي الجاهلية لا الإسلام”، وأنه بعيد الروح عن حقيقة الإسلام، وأن الإسلام لم يَعمُر قلبه، وأنه خنق روح الإسلام هو وبنو أبيه، وأنه هو وعمرو بن العاص ومن على شاكلتهم، لا يمسكهم خُلق ولا دين ولا ضمير، وأن في أسلاخ معاوية وبنى أمية جريمة أي جريمة على الإسلام والمسلمين، وأنه يخيس بالعَهد ويجهر بالكبيرة جهرة المتبجحين، وأنه ما لمعاوية وهذا الإسلام؟ وأنه ينفي العنصر الأخلاقى من سيرته ويجعل مال الله للرشى واللهي وشراء الذمم، وأنه هو وبنو أمية آمنوا على حرف حين غَلب الإسلام.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: