فلسطينمقالات

منذر خلف مفلح يكتب.. قراءة في نتائج الانتخابات الصهيونية (1)

يعتمل المشهد والساحة السياسية في الكيان عوامل وتطورات في غاية الأهمية للمتابع للشأن الصهيوني، أو الشأن السياسي، وكذلك الشأن الفلسطيني في الأرض المحتلة 1948.

ولعلنا نستدرك بعضاً من المفاهيم التي يجب ضبطها في بداية الحديث:

أولاً: ما هي الصهيونية؟ وما هي نتائج مشروعها الاستعماري، اثر تطورات الوضع الداخلي في الكيان، وخاصةً نتائج الانتخابات الأخيرة؟ وما هو الشكل الجديد – القديم لهذه الدولة؟ وأين هم العرب الفلسطينيين أصحاب نظرية العمل من داخل الكيان؟ وأخيراً كيف سيتعامل الغرب الليبرالي ليس فقط مع نتائج الانتخابات، بل مع ما سيشهده النظام السياسي في الدولة من متغيرات من قبيل القضاء على القانون/ التغيير في النظام التعليمي/ طبيعة النظام ومؤسسات الدولة؟!.

لعل السؤال الأبرز للإطلاع على هذا المشروع الصهيوني يكمن في الإجابة على سؤال، ما هي الصهيونية؟

فهل هي حركة سياسية علمانية برزت في الأوساط المسيحية، ثم انتقلت للتبلور في أوساط اليهود بهدف نقل اليهود إلى صهيون فقط – وتالياً تصبح حركة استعمارية؟ أم هي مشروع ليبرالي علماني حضاري، أردات أن تبني دولة غربية وعصرية لتكون جسر عبور للحضارة الغربية للشرق؟ نافيةً الشرق من حيزها، وعلى ذلك لا تكون حركة تنوير؟ لكن وقائع الأرض تنفي هذه الفرضية؛ فالدولة قامت على رموز دينية وأساطير أدت إلى تبلور هذه الرموز في الوعي المجتمعي لهذه المستعمرة، وتالياً تَحولّت لتيار سياسي ظهرت نتائجه في بروز وتطور اليمين الفاشي الديني المتزمت، وسقوط المشروع الحضاري التنويري، والذي يشعر معه الساسة في الكيان اليوم، أولئك العائدون للحكم عبر مشروع تصفية “قلعة القانون” الذي يريد عضو “الكنيست” “أسالم” أن يستلم هذه الحقيبة من أجل تقليص صلاحياتها، بل أكثر من ذلك لقد اعتبرت الصهيونية الدينية أكثر الناجحين في هذه الانتخابات عبر مشروع تجاوز القانون لصالح حماية “نتنياهو” من قضايا الفساد في مواجهة القضاء.

ذات التيار الديني الذي يسيطر على هذه الانتخابات على دولة الكيان التي يعتبرها أو اعتبرها مجرد “حمار المسيح” (المُخلص) من أجل نقلهم إلى مشروع “الدولة اليهودية” وليس دولة اليهود، وعلى ذلك تموت الفكرة الصهيونية باعتبارها ” حركة تنوير وإصلاح ثقافي” لصالح بروز وجهها الحقيقي باعتبارها حركة سلفية دينية يحاول أقطابها اليوم ما يسموه “إصلاح التعليم” في دولة الكيان! وهم الذين يرفضون كما “جماعة بوكوحرام” الإرهابية التعليم العلماني، لصالح توسيع دور المدارس والمؤسسات الدينية، كما أن لديهم قيود على حرية المرأة وتعليمها..الخ، من قوانين دينية ستبرز على السطح ليتعامل معها “الكنيست” بعد أن بلورها ( بن غوريون) في بداية الدولة باتفاقية وضع راهن أجل فيه القضايا الدينية، التي ستكون مضماراً للتشريع في “الكنيست” القادمة، فكيفي إشارة لذلك أن ما من محطة إخبارية صهيونية يمكنها البث يوم السبت دون الإشارة إلى أن التصوير قد انجز قبل دخول السبت، فسيبرز قانون “تحريم السبت”، ومن هو اليهودي، والإجهاز على التعليم المدني والقضاء، وحتماً ستَتحوّل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات دينية وخاصةً الجيش الذي سينعكس وجهه نحو اليمين الديني، بعد أن أظهرت النتائج الانتخابية تفضيل الحاخامات على الجنرالات.. ارتفاع نسبة التصويت “لبن غفير وسموتريتش، وارديه درعي” كأحزاب دينية وحريدية.. مقابل سقوط أو ضعف التصويت للجنرالات “بني غانتس وغادي أيزنكوف” وغيرهم في المعسكر القومي.

المؤكد في هذه الانتخابات هو اجهاز اليمين على اليسار في دولة الكيان التي تَحولّت بشكل علني لدولة دينية يهودية بفعل القانون، وبفعل السياسة في المستقبل القريب، كما أنها أصبحت بشكل رسمي دولة يمينية فاشية عنصرية، وهو الأمر الذي تحذر منه الولايات المتحدة والغرب عموماً خاصةً تجاه “بن غفير” الذي يطلب ملف الأمن الداخلي ( وزارة)، و”سموتريتش” الذي يطالب بوزارة الأمن “الدفاع”، وبهذا يتهيأ اليمين بعد إجهازه على اليسار للانقضاض على مؤسسات الدولة الرئيسية ومؤسسة التعليم للإجهاز على المشروع الصهيوني بشكله القديم نحو مشروع يميني فاشي عنصري ديني متطرف، ذلك أن اليمين القومي “الليكود” لم ينجح، بل أنه فاز بقاطرة صعود التيار الديني والحريدي، وبأصوات المتدينين، وعلى حساب الفلسطينيين أصحاب رؤية العمل في مؤسسة “الكنيست” الذين ظهر وجههم الحقيقي باعتبارهم أصحاب مصالح انتهازية، وقد كُسرت ظهرهم في الانتخابات عبر عدم قدرتهم على التوحد، وعدم دعم بعضهم البعض، لقد ظهر منصور عباس حانقاً ليس بسبب نتائج حزبه، بل لأن اليمين اكتسح المشهد، ولم يبقِ له دور ليلعبه خاصةً أن اليمين ( يتأفف) من التعامل معه، وبطبيعة الحال الآخرين ليسوا بأفضل حال منه.

إن الأزمة التي يمر بها الكيان المتمثلة بعبوره نفق اليمين الفاشي، كنتيجة حتمية لطبيعة هذا المشروع وفكره الاستيطاني الاحلالي، وسلوكه وممارساته، ستنهي هذا المشروع وجودياً بعد أن أنهت وجوده الفكري القديم لصالح فكر دولة دينية يمينة فاشية، لا تخفي ما يحضره أصحاب الفكر اليميني من خطط للاجهاز على مؤسسات الدولة ( التعليم/ القضاء/ الأمن الذي ربما تصبح قيادة الجيش فيه من الحاخامات، وليس الجنرالات إذا ما استمر صعود اليمين)، وهو حتماً سيستمر، وهو ما سيفاقم أزماته الداخلية، والخارجية أمام العالم، وستبرز الأيام القادمة أسئلة صعبة أمام حكومة “نتنياهو” اليمينة، وسيبرز السؤال الأصعب أمام ما يُسمى اليسار والوسط، هل سيتم دمج المجهود الفلسطيني بقوى اليسار من أجل خلق جبهة مقاومة للفاشية؟ وعليه، سيخدم الفلسطيني مشروع استعماره من حيث نضاله ضد عوامل انهيار هذا المشروع؟ أم هل ستتشرذم الجهود؟ هذا الدمج الذي خلق ردة فعل يمينية تجاه ما أُطلق عليه تحالف اليسار مع الحركة الإسلامية والفلسطينيين، أم ستستلم هذه القوى، فاسحةً المجال أمام الفاشية أن تأكل هذا المشروع من الداخل.

السنوات القادمة ستكون الأصعب على الشعب الفلسيطني، وعليه أن يعد العدة النضالية لمواجهة العنف القادم، والعدة السياسية الدبلوماسية التي سيكون لها تأثير في مواجهة الفاشية، وعدم تقبل الغرب والعالم لوجود كبني غفير كساسة وعسكريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى